ما حكم نقل زكاة الفطر وتوزيعها على أبناء الوطن الأصلي ؟
هل يجوز للمصريين المتواجدين خارج مصر إرسال زكاة الفطر إلى ذويهم وأبناء وطنهم الذين هم أحوج ما يكونون لهذه الأموال؟
الإجابة:
 لا مانع شرعًا من إرسالِ المصريين المقيمين خارج مصر زكاة مالهم وفطرهم إلى أهلهم وذويهم في مصر، بل هو الأفضل والأولى في هذه المرحلة التي تحتاج البلاد فيها حاجة أكيدة إلى الإنفاق على مصارف الزكاة فيها، وكفاية المحتاجين وسد حاجة المحتاجين؛ فمصر وأهلها أولَى بمساعدة مواطنيها وأبنائها

جاء القرآن الكريم بتحديد مصارفِ الزكاة على العموم من غير أن يُحدِّدَ لها مكانًا أو زمانًا؛ فقال الله تعالى: ?إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ? [التوبة: 60]، وجاءت السُّنَّةُ المطهَّرة بتحديد الأموال التي تجبُ فيها الزكاةُ وأحكامها الجزئية على الوجه الذي تتحقَّق به مقاصدُها الدينية والقِيمِيَّة والتكافلية والاجتماعية والتنموية.

والأصلُ في أموال الزكاة أن تخرجَ ابتداءً مِن أغنياء كلِّ قومٍ لفقرائهم؛ حتى يتحقَّقَ المقصدُ التكافلي، ويحصلَ الاكتفاء الذاتي، وتظهرَ العدالة المجتمعية، وتَقِلَّ الفوارقُ الطبقية، وتُحَلَّ المشكلاتُ الاقتصادية، وتزدادَ وفرة وسائل الإنتاج وتَضعُفَ نسبة البطالة، فترتقِي بذلك أحوال الأمم والشعوب، وتتوطّد أسباب الحضارة. وهذا هو الأصل الذي كان يجري عليه غالبُ العمل في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه؛ فأخرج البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» متفق عليه.

وأخرج أبو داود، وابن ماجه، والحاكم في "المستدرك" وصححه، ووافقه الذهبي، أنَّ أحدَ الأمراء من بني أمية بعث عِمرانَ بنَ حُصينٍ رضي الله عنهما ساعيًا للزكاة، فلمَّا رجع قال له: أين المالُ؟ فقال عمران رضي الله عنه: "وَلِلْمَالِ أَرْسَلْتَنِي؟! أَخَذْنَاهَا مِنْ حَيْثُ كُنَّا نَأْخُذُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَوَضَعْنَاهَا حَيْثُ كُنَّا نَضَعُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم".

وهذا هو الذي تقتضيه مبادئُ السياسة الشرعية، ولذلك نصَّ عليه فقهاؤها فيما قرَّروه من المحددات العامة لوظائفِ الدولة وسياساتها الاقتصادية والمالية؛ كما صنع قاضي القضاة الإمام أبو يوسف [ت: 182هـ] صاحب الإمام أبي حنيفة في كتابه "الخراج" الذي رسم به للخليفة هارون الرشيد أُسسَ التنظيمات المالية والاقتصادية للدولة الإسلامية ومواردها ومصارفها؛ إذ يقول (ق: 61أ، مخ. جامعة الملك سعود): [ويُقسَم سهمُ الفقراء والمساكين مِن صدقة ما حول كل مدينةٍ في أهلها، ولا يُخرَج منها فيُصدَّقَ به على أهل مدينة أخرى، فأما غيره فيصنع به الإمامُ ما أحبَّ من هذه الوجوه التي سمى الله جل وعزَّ في كتابه، وإن صيَّرها في صنفٍ واحد ممن سمَّى الله جلَّ ذكرُه أجزأ ذلك] اهـ.

وكان التزامُ ذلك والعمل عليه مِن مناقب الحكّام التي يَتمَدَّحُون ويتحبَّبُون بها للرعية؛ فأخرج الإمام خليفة بن خياط في "تاريخه" (ص: 365، ط. دار القلم): أن الخليفة الأموي الثاني عشر: يزيد بن الوليد بن عبد الملك [ت: 126هـ] خطب في الناس خطبة توليته فقال: [أَيهَا النَّاس إِنَّ لكم عندي إِن وليت أُمُوركم ألَّا أضَعَ لبنةً على لبنةٍ ولا حجرًا على حجر، ولا أنقُلَ مالًا مِن بلد إلى بلد حتى أسُدَّ ثَغْرَه وأقسم بَين مصالحه مَا يَقْوَوْنَ به، فإنْ فَضَلَ فضْلٌ رَددتُه إلى البلد الذي يَلِيه وهو أحْوجُ إليه؛ حتى تستقيمَ المَعيشَة بين المسلمين وتكونوا فيها سَوَاءً] اهـ.

وهذا الأصل يجري أيضًا في زكاة الفطر؛ فقد فرضتها الشريعة أصالةً لإغناء فقراء كل بلد عن الحاجةِ في العيد؛ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّوَافِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» أخرجه ابن وهب في "جامعه"، وابن زنجويه في "الأموال"، والدارقطني في "السنن"، والبيهقي في "السنن الكبرى"، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

غير أنَّ الفقهاء متفقون على مشروعية نقلها -بل ووجوبه -إذا زادت عن حاجة البلد، وأكثرهم على إجزائها إذا أُعطِيَت لمستحقيها ولو بغير بلدها، وحُكِيَ فيه الاتفاق والإجماع.
ومع ثبوت هذا الأصل إلّا أنَّ الشريعة راعت في الزكاة مصالحَ أخرى راجحة؛ كاشتداد الحاجة، وإغاثة المنكوبين، وأولوية قرابة المزكي وعصبته، وانتمائه لوطنه؛ تحقيقًا لمعنى التكافل الاجتماعي والترابط القومي، ونقلها من بلاد غير المسلمين إلى بلاد الإسلام، وراعت أيضًا ازدياد أهمية جهة معينة من مصارف الزكاة على غيرها؛ تحقيقًا لمقاصدها الشرعية ومصالحها المرعية على الوجه الأتم.

والمتأمل في نصوص الشريعة وفعل السلف الصالح ونصوص فقهاء المذاهب الفقهية يلحظ أنَّ هذا المقصد أعمُّ من أن يكون مقصدًا مكانيًّا بحتًا، بقدر ما هو مقصدٌ انتمائيٌّ تكافليٌّ اجتماعيٌّ، يدور في فلك تقوية الانتماء في نفوس المسلمين، دينيًّا كان هذا الانتماء، أو وطنيًّا، أو قبليًّا، أو عائليًّا، أو ولائيًّا:
فجاء في الشريعة وكلام السلف والفقهاء ما يدُلُّ على مشروعية إخراج المزكي زكاتَه لأهل بلده وإن لم يكن هو بينهم، وهذا من مقاصدِ الزكاة التي تقوي الانتماء للأوطان؛ فالنبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول لمعاذ بن جبل رضي الله عنه لمَّا بعثه إلى اليمن: «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» متفق عليه. وقد فَهِمَ سيدُنا معاذ رضي الله عنه من ذلك إعطاءَ الزكاة لعشيرة المزكّي وأهل محلَّته؛ أعمّ من أن يكون صاحب المال في بلده أو خارجها، فقضى بذلك، وفهم الراوي أَوْلَى من فهم غيره؛ حيث روى عبد الرزاق في "المصنف" (10/ 373، ط. المجلس العلمي بالهند)، والإمام الشافعي في "الأم" (2/ 77، ط. دار المعرفة) -وعنه البيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 14، ط. دار الكتب العلمية) واللفظ له-، وسعيد بن منصور في "السنن"، والأثرم في "السنن" -كما في "منتقى الأخبار" (4/ 180، ط. دار الحديث)-، وابن زنجويه في "الأموال" (3/ 1193، ط. مركز الملك فيصل)، عن طاوس بن كيسان: "أن معاذ بن جبل رضي الله عنه قضى أنه: أيُّما رجلٍ انتقل مِن مِخلافِ عشيرته إلى غيرِ مِخْلَافِ عشيرتِه، فعُشْرُهُ وصدقتُه إلى مِخلاف عشيرته".

ولفظ عبد الرزاق في "المصنف": [ومَن ذهب إلى مِخلافٍ غيرِ مِخلافِ عشيرته فإن عشورَه صدقةٌ إلى أمير عشيرته] اهـ، والمِخلافُ: البلدة أو المحلة أو الكَوْرة.
قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (3/ 242، ط. قرطبة): [أخرجه سعيد بن منصور بإسناد متصل صحيح إلى طاوس قال: في كتاب معاذ. فذكره] اهـ.
وإنما خصّ الحافظ ابن حجر إسناد سعيد بن منصور بالذكر؛ لأنه أراد نفيَ ما قد يُطعَن به في هذا الأثر مِن كون طاوس لم يلقَ معاذًا رضي الله عنه، فتكون روايته عنه مرسلة، فاحتجَّ برواية سعيد بن منصور التي فيها وجادةُ طاوسٍ عن كتاب معاذٍ رضي الله عنه (وكذلك الرواية عند الأثرم)، والوجادةُ مقبولةٌ عند المحققين إذا حصلت الثقة بالموجود.

غير أنّ إرسال طاوس عن معاذٍ رضي الله عنه لا يلزم منه الضعفُ؛ فليست كل المراسيل مردودةً، بل من المراسيلِ ما احتفت به قرائن الثبوت وبَعُد احتمالُ الضعف في واسطته، فيكون مقبولًا عند أهل العلم كما هو مقرَّر في محلّه، ومنها مراسيل طاوس عن معاذ رضي الله عنه فإنَّ طاوس بن كيسان اليمانيَّ هو عالم أهل اليمن، وقد كان عالمًا بأقضية معاذٍ رضي الله عنه وسيرته في اليمن؛ لكثرة مَنْ أدركه وأخذ عنه من أصحابه، وقد نقل الإمام الشافعي الاتفاق على ذلك، وهذا يقتضي قبول أخباره عنه، ولذلك أورده الإمام البخاري محتجًّا به في "صحيحه" بما يقتضي قوَّته عنده، ثم إن طاوسًا من كبار التابعين الأثبات المتقنين؛ فقد أدرك نحوًا من سبعين صحابيًّا؛ قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في "الأم" (2/ 9): [وطاوس عالم بأمر معاذ وإن كان لم يلقه؛ على كثرة مَن لقي ممَّن أدرك معاذًا مِن أهل اليمن فيما علمتُ] اهـ. زاد النووي في "شرح المهذب" (19/ 392-393، ط. دار الفكر): [وهذا ممَّا لا أعلم من أحد فيه خلافًا] اهـ.
وقال الحافظ البيهقي -كما في "البدر المنير" لابن الملقن" (5/ 428، ط. دار الهجرة)-: [طاوس وإن لم يلقَ معاذًا إلا أنه يمانيٌّ، وسيرةُ معاذٍ بينهم مشهورة] اهـ.
وهذا الأثر وإن استدل به الإمام الشافعي على عدم جواز نقل الزكاة من موطن مالها ما دام فيه مَنْ يستحقها، إلا أنَّه ليس فيه قيد وجود مال المزكي في مخلاف عشيرته حتى تدفع الزكاة لأمير مخلافه، بل مقتضاه -كما ذكره الإمام الشافعي في "الأم" (2/ 100)-: [أنه رأى أنَّ الصدقةَ إذا ثبتت لأهل مخلاف عشيرته لم تُحَوَّلْ عنهم صدقتُه وعشرُه بتحولِّه، وكانت لهم كما تثبت بدءًا] اهـ.
وهذا ما جعل جماعةً من الأئمة يحتجُّون بهذا الأثر على جواز نقل الزكاة:

قال الإمام مجد الدين بن الأثير في "الشافي في شرح مسند الشافعي" (4/ 309، ط. مكتبة الرشد): [احتج بذلك على نقل الصدقة] اهـ.
وقال العلامة ابن التركماني الحنفي في "الجوهر النقي" (7/ 10، ط. دار الفكر): [ظاهره النقل إلى مخلاف عشيرته وإن كان في غير موضع ماله] اهـ.
وقال العلامة الشوكاني في "نيل الأوطار" (4/ 181، ط. دار الحديث): [فيه دليلٌ على أنَّ من انتقل من بلدٍ إلى بلدٍ كان زكاة ماله لأهل البلد الذي انتقل منه، مهما أمكن إيصال ذلك إليهم] اهـ.
وهذا المعنى هو ما يُفهَم من وصية الخليفة الراشد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه للخليفة الذي يأتي بعده؛ فأخرج البخاري في "صحيحه" أن عمر رضي الله عنه بعد أن طُعِن وصَّى الخليفة من بعده فقال: "وَأُوصِيهِ بِالأَعْرَابِ خَيْرًا؛ فَإِنَّهُمْ أَصْلُ العَرَبِ، وَمَادَّةُ الإِسْلامِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ حَوَاشِي أَمْوَالِهِمْ، وَيُرَدَّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ"، وأخرجه معمر بن راشد في "جامعه" من طريق آخر بلفظ: "وَأُوصِيهِ بَأَعْرَابِ الْبَادِيَةِ".
فوصَّاه أن يضعَ زكاة أعراب البادية في فقرائهم، وهذا إعطاءٌ بوصف البداوة أعمّ من تخصيص مكان معين؛ فإنَّ أعراب البادية لا يجمعهم موطن واحد، كما لا يخفى.
وقريب من هذا مذهب إمام أهل مصر وفقيهها الليث بن سعد رحمه الله؛ فإنَّه قال بكراهية نقل الزكاة لغير بلدها مع إجزائها إذا نُقِلَت وأُعطِيَت لمستحقيها؛ كما نقله ابن المنذر في "الإشراف" (3/ 105، ط. مطبعة مكة)، ومع ذلك فقد استحب لمن سافر مِن بلده وكانت رجعتُه إليها قريبةً أن يُرجِئَ إخراج الزكاة حتى يرجعَ إلى بلده فيخرجها فيه، بخلاف صاحب الغيبة الطويلة؛ فقال فيمن وجبت عليه زكاة ماله، وهو ببلدٍ غير بلده: [إنه إن كانت رجعتُه إلى بلده قريبةً فإنه يُؤخِّر ذلك حتى يقدم بلدَه فيُخرجَها، ولو أداها حيث هو رجوتُ أن تُجزئَ، وإن كانت غيبتُه طويلةً، وأراد المُقام بها فإنه يُؤدِّي زكاتَه حيث هو] اهـ، حكاه الإمام الطحاوي في "مختصر اختلاف العلماء" (ص: 485، ط. دار البشائر)، والجصَّاص في "أحكام القرآن" (4/ 341، ط. دار إحياء التراث العربي).

وعلى ذلك: فتقديمُ المستحقين من أهل وطن المزكي على غيرهم في الإعطاء من الزكاةِ هو مقصدٌ شرعيٌّ معتدٌّ به في الفقه الإسلامي؛ وحينئذٍ فيتجه القول بأنّ لمصارف الزكاة في مصر الأولويةَ في زكاة المصريين خارجَها، وأنَّ ذلك أفضل؛ خاصةً مع وجود الحاجة الملحة التي تستدعي ذلك.

وقد أجازت الشريعة نقل الزكاة عند اشتداد الحاجة في البلد المراد نقلُ الزكاة إليها على مستوى الأفراد أو الجماعات؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأتيه المحتاجون فيُنظِرُهم حتى تأتيَه الزكاة من خارج المدينة ليُعطيَهم منها، وكان عُمَّال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرسلون إلى المدينة بجزء من الزكاة؛ فكان معاذ بن جبل رضي الله عنه ينقل مِن زكاة أهل اليمن إلى المهاجرين والأنصار بالمدينة لحاجتهم وفقرهم، ونقل عدي بن حاتم رضي الله عنه زكاةَ قومه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة، ونقل هو والزبرقان بن بدر رضي الله عنهما زكاةَ قومهما إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
فعن معاذ رضي الله عنه أنه قال لأهل اليمن: "ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ -أَوْ لَبِيسٍ- فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ؛ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ، وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بِالْمَدِينَةِ". علَّقه البخاري ووصله البيهقي، قال الحافظ العيني في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (9/ 5، ط. دار إحياء التراث العربي): [وما نقَلَ الزكاةَ إلى المدينة إلا بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ بعثه لذلك، ولأنه يجوز نقلها إلى قوم أحوج من الفقراء الذين هم هناك، وفقراء المهاجرين والأنصار أحوج؛ للهجرةِ وضيق حال المدينة في ذلك الوقت] اهـ.

وروى الإمام مسلم في "صحيحه" وأبو داود والنسائي في "السنن" عن قبيصة بن مُخارق الهلالي رضي الله عنه قال: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أسألُه فيها، فقال: «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا». إلخ الحديث.
قال الإمام الخطَّابي في "معالم السنن" (2/ 68، ط. المطبعة العلمية): [وفي قوله: «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا صَدَقَةٌ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا» دليلٌ على جواز نقل الصدقة من بلد إلى أهل بلد آخر] اهـ.
واستغاث سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام الرمادة بعُمّاله على الأمصار، فأرسلوا إليه الغوث من الصدقة؛ ففي "المدونة" (1/ 336، ط. دار الكتب العلمية) عن الإمام مالك رحمه الله: أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه وهو بمصر عام الرمادة: "يا غوثاه! يا غوثاه للعرب؛ جهِّزْ إليَّ عيرًا يكون أولها عندي وآخرها عندك، تحمل الدقيق في العباء".
وقد أسنده ابن عبد الحكم في "فتوح مصر والمغرب"، -كما ذكر السيوطي في "حسن المحاضرة" (1/ 156، ط. دار إحياء الكتب العربية)-، وابنُ خزيمة في "صحيحه" (4/ 68، ط. المكتب الإسلامي)، والحاكمُ في "المستدرك" (1/ 563، ط. دار الكتب العلمية) -ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 577، ط. دار الكتب العلمية)-: من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم: أنه لمَّا كان عامُ الرَّمادة، وأجدبَت الأرضُ، كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص رضي الله عنهما: "مِن عبدِ الله عمرَ أميرِ المؤمنين، إلى العاصي بن العاصي، لعمري ما تبالي إذا سَمِنْتَ ومَن قِبَلَك، أنْ أَعجَفَ أنا ومَن قِبَلِي، ويا غوثاه!"، فكتب عمرو رضي الله عنه: "السلام، أما بعد: لبيك لبيك! أتتك عِيرٌ أولُها عندَك، وآخرُها عندي."، والمفهوم من سياقه أنه في إرسال الأموال التي تشمل أموال الزكاة وغيرها؛ ولذلك أخرجه الحاكم في "كتاب الزكاة"، وبوَّب عليه ابن خزيمة بقوله: (باب ذكر الدليل على أنَّ العامل على الصدقة إن عمل عليها متطوعًا بالعمل بغير إرادة ونية لأخذ عمالة على عمله فأعطاه الإمام لعمالته رزقًا من غير مسألة ولا إشراف: فجائز له أخذه).

قال الحاكم: [هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه]، ووافقه الحافظ الذهبي، وقال الذهبي أيضًا في "المهذب في اختصار السنن الكبير" (5/ 2533، ط. دار الوطن): [قلت: إسناده قوي] اهـ. وقال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" (10/ 69، ط. دار هجر): [وهذا الأثر جيد الإسناد] اهـ.
ورواه ابنُ شَبَّةَ في "أخبار المدينة المنورة" (2/ 310، ط. دار العليان): من طريق أسامة بن زيد، عن أبيه زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم، قال: لمَّا دفَّت العربُ إلى عمر رضي الله عنه بالمدينة كتب إلى العمال: إلى سعد بالكوفة، وأبي موسى بالبصرة، وعمرو بن العاص بمصر، ومعاوية بالشام: "من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان، أما بعد، فإنَّ العرب قد دفت إلينا ولم تحتملهم بلادهم، ولا بد لهم من الغوث الغوث، حتى ملأ الصحيفة. قال: فربما كان في الصحيفة مائتا مرة".
وروى ابنُ شبَّة أيضًا في "أخبار المدينة" (2/ 310) أن عمر رضي الله عنه كتب عام الرمادة إلى يزيد بن أبي سفيان، وإلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: "واغوثاه، هلكَت العرب. فأما يزيدُ فكتب: لَبَّيْتُ لَبَّيْتُ لَبَّيْتُ يا أمير المؤمنين! أتاك الغوث؛ بعثتُ إليك عيرًا أولُها بالمدينة وآخرُها بالشام".
وأخرج ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (3/ 310-311، 315، ط. دار صادر)، [مِن طُرُق: أن عُمَّال الأمصار أرسلوا إلى عمر رضي الله عنه الأموال في عام الرماد] اهـ.
ومن مقاصدِ الشريعة أنها قدَّمت في أداءِ الزكاةِ كفايةَ قرابةِ المزكي على غيرهم، وجعلت لسدِّ حاجةِ ذوي رحمه وعصبته المحتاجين أولوية في صرفها؛ مراعاةً لصلة الرحم، وضمانًا لاستمرار الترابط الأسري والتكافل العائلي والعشائري الذي هو اللبنة الأساس في التكافل المجتمعي:
فبدأ بهم القرآن الكريم في مطلق العطاء؛ فقال تعالى: ?يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ? [البقرة: 215]، وجعل لهم حقًّا في مال الواجد؛ فقال سبحانه: ?وَءَاتِ ذَا ?ل?قُر?بَى? حَقَّهُ? وَ?ل?مِس?كِينَ وَ?ب?نَ ?لسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّر? تَب?ذِيرًا? [الإسراء: 26]، وجعل ذلك علامة الفلاح، وعدَّه الأفضل لمن يريد وجه الله تعالى: ?فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ? [الروم: 38]، وهذا كلُّه يشمل النفقة الواجبة والمندوبة، ويشمل الزكاة في غير ما تجب فيه النفقة.
قال مجاهد: "سألوه: ما لهم في ذلك؟ ?قُل? مَا? أَنفَق?تُم مِّن? خَي?ر? فَلِل?وَ?لِدَي?نِ وَ?ل?أَق?رَبِينَ وَ?ل?يَتَ?مَى? وَ?ل?مَسَ?كِينِ وَ?ب?نِ ?لسَّبِيلِ?، قال: ههنا يا ابن آدم فضع كَدْحَك وسعيَك، ولا تَنْفَحْ بها ذا وذاك وتدع ذوي قرابتك وذوي رحمك". أخرجه عبد بن حميد في "التفسير" كما في "الدر المنثور" للسيوطي (1/ 585، ط. دار الفكر).
وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجرَ الزكاة مُضَاعفًا إذا أعطاها المزكِّي قرابتَه المحتاجين الذين لا تجب نفقتُهم عليه؛ فروى البخاري ومسلم عن زينب الثقفية امرأةِ عبدِ الله بنِ مسعود رضي الله عنهما: أنها سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن إعطاء الزكاة لزوجها ولأيتام لها في حجرها، فقال: «نَعَمْ، لَهَا أَجْرَانِ: أَجْرُ القَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ».
وروى الإمام أحمد والدارمي في "مسنديهما"، والنسائي والترمذي وحسنه وابن ماجه في "سننهم"، وابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما"، والحاكم في "المستدرك" وقال: صحيح الإسناد، عن سلمان بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ».
وروى ابن زنجويه في "الأموال"، والطبراني في "الكبير"، من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى ذِي قَرَابَةٍ يُضَعَّفُ أَجْرُهَا مَرَّتَيْنِ».
بل وصل الحال إلى الوعيد الشديد بعدم القبول وانعدام الثواب لمن تعمَّد ترْك قرابته المحتاجين قصدًا لمنعهم وأعطى أموالَه لغيرهم، بل عدَّه بعضُ العلماءِ مِن الكبائر؛ فروى الطبراني في "المعجم الأوسط" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَا يَقْبَلُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَدَقَةً مِنْ رَجُلٍ وَلَهُ قَرَابَةٌ مُحْتَاجُونَ إِلَى صَدَقَتِهِ وَيَصْرِفُهَا إِلَى غَيْرِهِمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وقد أورده الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" (2/ 18، ط. دار الكتب العلمية) مورد الجزم؛ إشعارًا بقبول الحديث، ثم قال عقبه: [رواه الطبراني، ورواته ثقات، وعبد الله بن عامر الأسلمي قال أبو حاتم: ليس بالمتروك] اهـ، وقال العلامة ابن حجر الهيتمي في "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (1/ 310، ط. دار الفكر): [رواته ثقات] اهـ، وعدَّ في كتابه هذا الكبيرةَ الرابعةَ والثلاثين بعد المائة: منع الإنسان لقريبه أو مولاه ممَّا سأله فيه لاضطراره إليه، مع قدرةِ المانع عليه، وعدمِ عذرٍ له في المنع.
وقال العلامة الشرنبلالي الحنفي في حاشيته على "درر الحكام شرح غرر الأحكام" للعلامة ملاخسرو (1/ 192، ط. دار إحياء الكتب العربية): [وذكر في "المعراج" عن الشيخ أبي حفص الكبير: لا تُقبَل صدقةُ الرجل وقرابتُه مَحاويجُ حتى يبدأ بهم فيَسُدَّ حاجتهم] اهـ.

قال العلامة ابن عابدين الحنفي في حاشيته "رد المحتار" (2/ 353، ط. دار الفكر): [والمرادُ بعدم القبول: عدمُ الإثابة عليها وإن سقط بها الفرض؛ لأنَّ المقصود منها سدُّ خلة المحتاج، وفي القريب جمعٌ بين الصلة والصدقة] اهـ.
وعقد الإمام المنذري في "الترغيب والترهيب" لذلك بابًا ساق فيه الأحاديثَ النبوية التي تحذر من البخل بالزكاة على الأقرباء؛ فقال (2/ 18-19): [الترهيبُ من أن يسأل الإنسان مولاه أو قريبه من فضل ماله فيبخل عليه أو يصرف صدقته إلى الأجانب وأقرباؤه محتاجون. وساق الحديث السابق. ثم قال: وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: «قلتُ: يا رسول الله! مَن أبرُّ؟ قال: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم الأقرب فالأقرب»، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يَسْأَلُ رَجُلٌ مَوْلَاهُ مِنْ فَضْلٍ هُوَ عِنْدَهُ، فَيَمْنَعُهُ إِيَّاهُ، إِلَّا دُعِيَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَضْلُهُ الَّذِي مَنَعَهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ» رواه أبو داود واللفظ له، والنسائي، والترمذي وقال: حديث حسن. قال أبو داود: الأقرع: الذي ذهب شعر رأسه من السم.
وعن جرير بن عبد الله البَجَلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذَا رَحِمِهِ، فيَسْأَلُهُ فَضْلًا أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، فَيَبْخَلُ عَلَيْهِ، إِلَّا أَخْرَجَ اللهُ لَهُ مِنْ جَهَنَّمَ حَيَّةً يُقَالُ لَهَا: شُجَاعٌ، يَتَلَمَّظُ، فَيُطَوَّقُ بِهِ» رواه الطبراني في "الأوسط" و"الكبير" بإسناد جيد. التَّلَمُّظ: تَطَعُّم ما يبقى في الفم من آثار الطعام.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَتَاهُ ابْنُ عَمِّهِ يَسَأَلَهُ مِنْ فَضْلِهِ فَمَنَعَهُ، مَنَعَهُ اللهُ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه الطبراني في "الصغير" و"الأوسط"، وهو غريب] اهـ.
وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف"، وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر في "تفاسيرهم" عن مسروق في قوله تعالى: ?وَلَا يَح?سَبَنَّ ?لَّذِينَ يَب?خَلُونَ بِمَا? ءَاتَى?هُمُ ?لله مِن فَض?لِهِ? هُوَ خَي?ر?ا لَّهُم? بَل? هُوَ شَرّ? لَّهُم?? سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ? يَو?مَ ?ل?قِيَ?مَةِ? وَلله مِيرَ?ثُ ?لسَّمَ?وَ?تِ وَ?ل?أَر?ضِ? وَ?لله بِمَا تَع?مَلُونَ خَبِيرٌ? [آل عمران: 180] قال: "هو الرجل يرزقه الله المال فيمنع قرابتَه الحقَّ الذي جعله الله لهم في ماله، فيُجعَلُ حيَّةً فيُطوَّقُها، فيقول للحية: ما لي ولك؟ فتقول: أنا مالك".
وقال مجاهد: "لا تُقبَل صدقةٌ مِن أحدٍ ورحمُه محتاجةٌ" ذكره مكي بن أبي طالب القيسي [ت: 437هـ] في "الهداية إلى بلوغ النهاية" (9/ 5691، ط. جامعة الشارقة).
وعَدَّ العلماءُ مِن التعَدِّي في الزكاة: تجاوزَ القرابة والجيران وإعطاءَ الأباعد؛ قال العلامة الدمياطي الشافعي في "إعانة الطالبين" (2/ 238، ط. دار الفكر): [ومن التعدي أن تعطي صدقاتك للأجانب والأباعد وأنت تعلم أن أقاربك وجيرانك أحْوَجُ إليها] اهـ.

ولذلك كانت أولوية إعطاء الزكاة للمحتاجين من قرابة المزكي وكفايتهم من المقاصدِ التي قدمها كثير من علماء الأمة وفقهائها سلفًا وخلفًا على مصلحة صرف الزكاة في بلدها؛ فأجازوا نقلَها خارج البلد لهذا الغرض؛ فأخرج الدارقطنيُّ في "السنن" (3/ 57، ط. مؤسسة الرسالة) -ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 15، ط. دار الكتب العلمية)- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «لَا تَخْرُجُ الزَّكَاةُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ إِلَّا لِذِي قَرَابَةٍ».
وأخرج أبو عبيد القاسم بن سلام في "الأموال"، وابن زنجويه في "الأموال" -واللفظ له- عن إبراهيم النخعي: "أنه كان يُرخِّص في حمل الزكاة مِن بلد إلى بلد لذي قرابة". ولفظ أبي عبيد: "أنه كان يكره أن تخرج الزكاة من بلد إلى بلد إلا لذي قرابة".

وأخرج أبو عبيد في "الأموال" عن الحسن البصري مثل ذلك.
وأخرج ابن زنجويه في "الأموال" عن إبراهيم بن حميد الرُّؤَاسي، قال: حدثني أبي، قال: قلت للضحاك ونحن بخراسان ولي أقارب بالكوفة: "أبْعثُ إليهم من زكاة مالي؟ قال: نعم".
وأخرج أبو عبيد وابن زنجويه في "الأموال" عن أبي العالية الرياحي -وكان بالبصرة-: "أنه كان يحمل زكاته إلى المدينة"، قال أبو عبيد: "ولا نُرَاه خصَّ بها إلا أقاربَه أو موالِيَه" اهـ.
وقال الإمام الأوزاعي: "لا يتخطى بزكاة ماله فقراء أقاربه إذا لم يكونوا من عياله" نقله عنه الإمام الجصاص في "أحكام القرآن" (4/ 338).
وهذا هو مذهب الإمام أبي حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن، وعليه السادة الحنفية؛ قال الإمام أبو جعفر الطحاوي الحنفي في "مختصر اختلاف العلماء" (1/ 485) -ونقله الإمام أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي في "أحكام القرآن" (4/ 341)-: [وروَى عليٌّ الرازي، عن أبي سليمان، عن ابن المبارك، عن أبي حنيفة قال: "لا بأس بأن يبعث الزكاة من بلدٍ إلى بلدٍ آخر إلى ذي قرابته". قال أبو سليمان: فحدثت به محمد بن الحسن، فقال: هذا حسن، وليس لنا في هذا سماع عن أبي حنيفة. قال أبو سليمان: فكتبه محمد بن الحسن عن ابن المبارك عن أبي حنيفة.
قال أبو جعفر: وسمعتُ ابن أبي عمران يقول: أخبرنا أصحابنا عن محمد بن الحسن، عن أبي سليمان، عن عبد الله بن المبارك، عن أبي حنيفة قال: "لا يخرج الرجل زكاته من مدينة إلى مدينة إلا لذي قرابته"] اهـ.
ونصَّ السادة الحنفية على أن نقلَ الزكاةِ للأقاربِ المحتاجين أفضل من إخراجها في بلدها، وكرهوا إخراجها لغيرِ الأقاربِ، بل جعله بعضهم واجبًا يأثم المزكي بتركه؛ قال الإمام الحافظ العيني في "شرح سنن أبي داود" (6/ 358-359، ط. مكتبة الرشد): [قال العلماء من أصحابنا، وغيرهم: إن نقل الزكاة من بلدٍ إلى بلدٍ مكروهٌ، وإنما يفرق صدقة كل فريق فيهم، إلا أن ينقُلَها الإنسان إلى قرابته، أو إلى قوم هم أحْوَجُ من أهل بلده؛ لما فيه من الصلة، أو زيادة دفع الحاجة، ولو نُقل إلى غيرهم أجزأت وإن كان مكروهًا؛ لأنَّ المصرف مطلق الفقراء بالنص] اهـ.
وقال العلامة المرغيناني في "الهداية في شرح بداية المبتدي" (1/ 112-113، ط. دار إحياء التراث العربي): [قال: (ويكره نقل الزكاة من بلد إلى بلد)، وإنما يفرق صدقة كل فريق فيهم؛ لما روينا من حديث معاذ رضي الله تعالى عنه: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ»، وفيه رعاية حق الجوار، (إلا أن ينقلها الإنسان إلى قرابته أو إلى قوم هم أحوج من أهل بلده)؛ لما فيه من الصلة أو زيادة دفع الحاجة] اهـ.
وقال العلامة البابرتي في "العناية شرح الهداية" (2/ 279، ط. دار الفكر): [وقوله (ويكره نقل الزكاة من بلد إلى بلد) قال الإمام أبو الحسن القدوري: يكره نقل الزكاة إلى بلد آخر، وهذا إذا لم ينقل إلى قرابته، أو إلى قوم هم أحْوَجُ من أهل بلده، أما إذا نقل إليهم فإنه يجوز بلا كراهة] اهـ.
وجواز نقل الزكاة للمصلحة الراجحة هو ما عليه أكثرُ الفقهاء والمحققين من السلف والخلف، ومكان صرف الزكاة عندهم دائرٌ مع المصلحة حيثما دارت، وهذا مذهبُ السادة الحنفية، وقولٌ للإمامين: مالك والشافعي قال به كثيرٌ من فقهاء مذهبيهما، وروايةٌ عن الإمام أحمد قال بها جماعة من الحنابلة للمصلحة؛ كالإمام أبي بكر الآجري، وابن تيمية، وابن قاضي الجبل، وعن أحمد رواية أخرى بجواز نقلها للثغور، وروايتان أخريان بالكراهة والتحريم.
وعلى هذا المعنى جاءت نصوص الفقهاء في مختلف المذاهب الفقهية:
فمن الحنفية:
قال الإمام أبو بكر الجصَّاص الحنفي في "أحكام القرآن" (4/ 341، ط. دار إحياء التراث العربي): [ظاهرُ قوله تعالى: ?إِنَّمَا ?لصَّدَقَ?تُ لِل?فُقَرَا?ءِ وَ?ل?مَسَ?كِينِ? يقتضي جوازَ إعطائِها في غير البلد الذي فيه المال، وفي أي موضع شاء، ولذلك قال أصحابنا: أي موضع أدى فيه أجزأه، ويدل عليه أنا لم نَرَ في الأصول صدقة مخصوصة بموضع حتى لا يجوز أداؤها في غيره، ألا ترى أنَّ كفارات الأيمان والنذور وسائر الصدقات لا يختص جوازها بأدائها في مكانٍ دون غيره؟! وروي عن طاوس أن معاذًا رضي الله عنه قال لأهل اليمن: "ائتوني بخميس أو لبيسٍ آخذه منكم في الصدقة مكان الذرة والشعير؛ فإنه أيسر عليكم، وخيرٌ لمَن بالمدينة من المهاجرين والأنصار"، فهذا يدل على أنه كان ينقلها من اليمن إلى المدينة، وذلك لأن أهل المدينة كانوا أحْوَجَ إليها من أهل اليمن. وروى عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه نقل صدقة طيئ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبلادهم بالبعد من المدينة، ونقل أيضًا عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر صدقات قومهما إلى أبي بكر الصديق من بلاد طيئ وبلاد بني تميم، فاستعان بها على قتال أهل الردة] اهـ.
وقال الإمام السرخسي الحنفي في "المبسوط" (2/ 181، ط. دار المعرفة): [وتخصيصُ فقراء البلدة ليس لمعنًى في أعيانهم؛ فلا يمنع جواز الصرف إلى غيرهم؛ لأن ما هو المقصود وهو سدُّ خلة المحتاج قد حصل، وقول معاذ رضي الله عنه محمول على بيان الأَوْلى، ألا ترى أنه حين كان باليمن كان ينقُلُ الصدقة إلى المدينة على ما قال في خطبته وأنفع لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار، وإنما كان ينقل إلى المدينة لأن فقراءها كانوا أشرفَ الفقراء؛ حيث هجروا أوطانهم وهاجروا لنصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعلُّمِ أحكام الدين] اهـ.
ومن المالكية:
قال الإمام ابن بطال المالكي في "شرح البخاري" (3/ 548، ط. مكتبة الرشد): [وذكر ابن الموَّاز عن مالك: لو أنَّ رجلًا بالشام أنفذ زكاته إلى المدينة كان صوابًا، ولو أنفذها إلى العراق لم أرَ به بأسًا، وقال أبو حنيفة: يجوز نقلها إلى بلد آخر مع وجود الفقراء في البلد الذي تؤخذ فيه، وإن كنا نكرهه] اهـ.
وقال الإمام القرافي المالكي في "الذخيرة" (3/ 152، ط. دار الغرب الإسلامي): [فإن بلغه حاجة من غير بلده أعطى منه أهل بلده ثم نقله إلى بلد الحاجة، قال سند: إن كان موضع الزكاة ليس فيه مُسْتَحِق نُقِلَت للأقرب إليه لخفية المؤنة، وإن كان فيه مُسْتَحِق لكن حاجة غيره أشدّ نقلها؛ كما نقل عمر رضي الله عنه زكاة مصر إلى الحجاز، وإن لم تكن حاجة غيره أشدّ فقول (ح) و(ش) وغير المشهور عن مالك: النقل] اهـ.
ومن الشافعية:
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (3/ 357، ط. دار المعرفة): [وقد اختلف العلماء في هذه المسألة؛ فأجاز النقلَ الليثُ وأبو حنيفة وأصحابُهما، ونقله ابنُ المنذر عن الشافعي واختاره، والأصح عند الشافعية والمالكية والجمهور تركُ النقل، فلو خالف ونقل أجزأ عند المالكية على الأصح، ولم يجزئ عند الشافعية على الأصح إلا إذا فقد المستحقون لها] اهـ.
والقول بالجواز هو ما عليه جماعة من متقدمي الشافعية، وهو المعتمد، وعليه العمل عند متأخريهم:
قال إمام أهل اليمن في زمنه العارفُ أبو العباس أحمد بن موسى بن عُجَيْل اليمني الشافعي [ت: 690هـ]: "ثلاثُ مسائلَ في الزكاة يُفتَى فيها على خلاف المذهب: نقلُ الزكاة، ودفعُ زكاةِ واحدٍ لواحدٍ، ودفعُها إلى صنفٍ واحدٍ، ولو كان الشافعي حيًّا لأفتى بذلك" اهـ، نقله العلامة الجاوي الشافعي في "نهاية الزين" (ص: 182، ط. دار الفكر).
قال الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الأصبحي اليمني الشافعي [ت: 700هـ] في "فتاويه": [اعلم أنّ ما حكي عن الفقيه أحمد بن موسى نفع الله سبحانه وتعالى به قد حُكِيَ مثلُه عن غيره من أكابرِ الأئمة: كالشيخ أبي إسحاق، والشيخ يحيى بن أبي الخير، والفقيه الأحنف، وغيرهم، وإليه ذهب أكثر المتأخرين، وإنما دعاهم إلى ذلك عسرُ الأمر؛ وقد قال الله تعالى: ?وَمَا جَعَلَ عَلَي?كُم? فِي ?لدِّينِ مِن? حَرَج?? [الحج: 78]]. اهـ نقلًا عن "الفتاوى الفقهية الكبرى" للعلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي (4/ 75-76، ط. المكتبة الإسلامية).
وقال العلامة الشهاب القليوبي في "حاشيته على شرح المحلي للمنهاج" (3/ 204، ط. دار الفكر): [القول الثاني: يجوز النقل وتجزئ، واختاره جماعة من أصحاب الشافعي: كابن الصلاح، وابن الفِرْكَاح، وغيرهم، قال شيخنا تبعًا لشيخنا الرملي: ويجوز للشخص العمل به في حق نفسه، وكذا يجوز العمل في جميع الأحكام بقول مَن يثق به من الأئمة: كالأذرعي، والسبكي، والإسنوي، على المعتمد] اهـ.
وهذا ما أفتى به مفتي الشافعية بمكة السيد أحمد زيني دحلان [ت: 1304هـ]؛ قال تلميذه العلامة أبو بكر شطا البكري الدمياطي الشافعي في "إعانة الطالبين على حلّ ألفاظ فتح المعين" (2/ 212، ط. دار الفكر): [سئل شيخنا وأستاذنا -أطال الله بقاءه- عن نقل زكاة المال من أرض الجاوة إلى مكة والمدينة رجاء ثواب التصدق على فقراء الحرمين، هل يوجد في مذهب الشافعي قول بجواز نقلها في ذلك؟ فأجاب بما صورته:
(اعلم) رحمك الله أنّ مسألة نقل الزكاة فيها اختلافٌ كثيرٌ بين العلماء، والمشهور في مذهب الشافعي امتناعُ نقلها إذا وجد المستحقون لها في بلدها. ومقابل المشهور جواز النقل، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه وكثير من المجتهدين، منهم الإمام البخاري؛ فإنه ترجم المسألة بقوله: (باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد على الفقراء حيث كانوا)، قال شارحه القسطلاني: ظاهره أن المؤلف يختار جواز نقل الزكاة من بلد المال، وهو أيضًا مذهب الحنفية، والأصح عند الشافعية والمالكية عدمُ الجواز: انتهى. وفى "المنهاج" و"التحفة" للعلامة ابن حجر: والأظهر منع نقل الزكاة، وإن نقل مقابله عن أكثر العلماء، وانتصر له. انتهى. إذا تأملت ذلك علمت أنَّ القول بالنقل يوجد في مذهب الإمام الشافعي، ويجوز تقليده، والعمل بمقتضاه. والله أعلم] اهـ.
ومن الحنابلة:
قال الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في "كشف المشكل" (2/ 58، ط. دار الوطن-الرياض): [وعندنا أنه يجوز نقل الزكاة إلى بلد تُقصر فيه الصلاة في إحدى الروايتين، وعند أحمد الجواز، وهو قول أبي حنيفة ومالك، وعن الشافعي كالروايتين] اهـ.
وقال الشيخ ابن تيمية الحنبلي في "الفتاوى الكبرى" (5/ 370، ط. دار الكتب العلمية): [وإذا نقل الزكاة إلى المستحقين بالمصر الجامع -مثل أن يعطي مَن بالقاهرة مِن العشور التي بأرض مصر، فالصحيح جواز ذلك؛ فإنَّ سكان المصر إنما يعانون مِن مزارعهم، بخلاف النقل من إقليم مع حاجة أهل المنقول عنها، وإنما قال السلف: جيران المال أحق بزكاته، وكرهوا نقل الزكاة إلى بلد السلطان وغيره، ليكتفي كل ناحية بما عندهم من الزكاة؛ ولهذا في كتاب معاذ بن جبل رضي الله عنه: من انتقل من مخلاف إلى مخلاف فإنَّ صدقته وعشره في مخلاف جيرانه، والمخلاف عندهم كما يقال: المعاملة، وهو ما يكون فيه الوالي والقاضي، وهو الذي يستخلف فيه ولي الأمر جابيًا بأخذ الزكاة من أغنيائهم فيردها على فقرائهم، ولم يقيد ذلك بمسير يومين، وتحديد المنع من نقل الزكاة بمسافة القصر ليس عليه دليلٌ شرعيٌّ، ويجوز نقل الزكاة وما في حكمها لمصلحة شرعية] اهـ.
وقال الإمام العلاء بن البهاء الحنبلي [ت: 900هـ] في "فتح الملك العزيز بشرح الوجيز" (3/ 249، ط. مكتبة النهضة): [وعنه: يجوز نقلها إلى الثغر، وعلَّله القاضي بأنّ مرابطة الغازي بالثغر قد تطول، ولا يمكنه المفارقة. وعنه: يجوز نقلها إلى الثغر وغيره مع رجحان الحاجة. قال في "الفائق": وقيل: تُنقَل لمصلحةٍ راجحةٍ؛ كقريب محتاج ونحوه، وهو المختار". انتهى. واختاره أبو العباس، وقال: تقييد ذلك بمسيرة يومين، وتحديد المنع من نقل الزكاة بمسافة القصر ليس عليه دليل شرعي، وجعل محلّ ذلك الأقاليم؛ فلا تنقل الزكاة من إقليم إلى إقليم، وتنقل إلى نواحي الإقليم، وإن كان أكثر من يومين. انتهى. واختار الآجريُّ جوازَ نقلها للقرابة] اهـ.
ومن العلماء من أجاز نقل الزكاة من بلدها مطلقًا، وهذا مرويٌّ عن جماعة من السلف، منهم: مفتي أهل مكة عطاء بن أبي رباح، وأبو العالية الرياحي، وميمون بن مهران، وغيرهم؛ فروى ابن أبي شيبة في "المصنف" عن عطاء قوله: "هم المسلمون؛ فأعطه حيث شئتَ".
وروى أبو عبيد في "الأموال"، وابن أبي شيبة في "المصنف"، وابن زنجويه في "الأموال" عن أبي العالية الرياحي البصري: أنه كان يسرح بزكاة ماله إلى المدينة من البصرة.
وروى ابن أبي شيبة في "المصنف" عن ميمون بن مهران أنه قال: "كان يستحب أن يرسلَ بالصدقة إلى أبناء المهاجرين والأنصار الذين بالمدينة".
وبوَّب على ذلك ابنُ أبي شيبة بقوله: (مَن رخص أن يرسل بها إلى بلد غيره)، وابن زنجويه في "الأموال" بقوله: (باب: ما جاء في الرخصة في حمل الزكاة من بلد إلى بلد)، وبوَّب عليه الإمام البخاري في "الصحيح" بقوله: (باب أخذ الصدقة من الأغنياء، وتُرَدُّ في الفقراء حيث كانوا)، والإمام أبو داود في "السنن" بقوله: (باب في الزكاة تُحمَل مِن بلدٍ إلى بلدٍ)، والإمام النسائي في "السنن" بقوله: (إخراج الزكاة من بلد إلى بلد).
قال العلامة ابن المُنَيِّر المالكي في "المتواري على أبواب البخاري" (ص: 128، ط. مكتبة المعلا): [قلتُ: رضي الله عنك! قولُه في الترجمة: (حيث كانوا) تنبيه حَسنٌ على مسألةٍ فقهيةٍ، وهي أنه: هل يجوز نقل الزكاة مِن بلد إلى آخر؟ قيل بجوازه وبمنعه، وبجوازه إذا فدحت حاجةُ غير البلد، واختار البخاريُّ الجواز مطلقًا؛ لأنَّ الضمير في الجميع يعودُ على المسلمين، فأيّ فقير منهم رُدَّتْ فيه الصدقةُ في أي جهة كان فقد وافى عمومَ الحديث. فتأمله] اهـ.
ومن مقاصدِ الزكاة الأساسية تقويةُ اقتصاد المسلمين وشوكتهم على مستوى الأفراد والدول؛ قال الإمام الطبري في "التفسير" (14/ 316، ط. مؤسسة الرسالة): [والصواب من القول في ذلك عندي: أنَّ الله جعل الصدقة في معنيين: أحدهما: سدُّ خَلَّة المسلمين، والآخر: معونة الإسلام وتقويته. فما كان في معونة الإسلام وتقوية أسبابه فإنه يُعطاه الغني والفقير؛ لأنه لا يُعطاه مَن يُعطاه بالحاجة منه إليه، وإنما يُعطاه معونةً للدين. وذلك كما يعطى الذي يُعطاه بالجهاد في سبيل الله، فإنه يعطى ذلك غنيًّا كان أو فقيرًا، للغزو، لا لسدِّ خلته] اهـ.

ولذلك نصَّ الحنفية على مشروعية نقل الزكاة من ديار غير المسلمين إلى ديار المسلمين؛ قال العلامة الحصكفي في "الدر المختار" (2/ 353-354، ط. دار الفكر): [(و) كُرِهَ (نقلُها إلَّا إلى قرابة)، بل في "الظهيرية": لا تُقبَل صدقةُ الرجل وقرابتُه محاويجُ حتى يبدأ بهم فيسدّ حاجتهم (أو أحوج) أو أصلح أو أورع أو أنفع للمسلمين (أو من دار الحرب إلى دار الإسلام أو إلى طالب علم). وفي "المعراج": التصدق على العالم الفقير أفضل] اهـ.
وفي إرسال المصريين بالخارج زكاتهم لبلدهم مساهمة فعَّالة في تنمية الوطن وتقويته وإنعاش اقتصاده، ولا يخفى ما يؤدي إليه تدفقُ أموال الزكاة من أثر كبير على اقتصاد الدول وتنمية المجتمعات، فإذا انضاف إلى ذلك النظرُ إلى مرحلة البناء والتنمية التي تمر بها مصر، ووقوفها الصامد لصدّ الهجمات والمؤامرات التي تُحاك بها، وأن أهلها في رباط إلى يوم القيامة كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان ذلك أدعى إلى أولوية إعطاء مغتربيهم زكواتِهم في مصارف الزكاة في مصر، ومساهمتهم في سدّ احتياجات أهلها، والإنفاق على مصارف الزكاة فيها هو مِن مظاهر حب الأوطان، وحبُّ الوطن من الإيمان، وهو معنى شرعي مقاصدي معتدٌّ به شرعًا.
والمستقَرُّ عليه في دار الإفتاء المصرية الإفتاءُ بجواز نقل الزكاة إلى مصارفها الشرعية في غير بلدها عند الحاجة وللمصلحة؛ كما صدرت بذلك الفتوى في عهد سماحة الشيخ العلامة حسنين محمد مخلوف: برقم 579، وتاريخ: 17/ 8/ 1946م، وفي عهد سماحة العلامة الشيخ أحمد هريدي: برقم 476، وتاريخ: 14/ 5/ 1963م، وكذلك الفتوى رقم 249، بتاريخ: 21/ 7/ 1986م، وفي عهد سماحة الأستاذ الدكتور علي جمعة: برقم 1310، وتاريخ: 31/ 10/ 2005م.
كما أنَّ المعتمد في الفتوى أيضًا -كما عليه جماعة من سلف الأمة وخلفها- جوازُ إخراج زكاة الفطر مالًا، وهو مذهب السادة الحنفية، ويجوز إخراجها من أول رمضان كما هو مذهب الشافعية وقول مصحّح للحنفية.
وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: ولأنّ العالم قد تغيّر في علاقاته وواقعه وشخصياته، وعملًا بالمقاصدِ الشرعيةِ والمصالحِ المرعيَّة، فإنَّا نرى جوازَ إرسالِ المصريين المقيمين خارج مصر بزكاة مالهم وفطرهم إليها، بل ونرى أفضلية ذلك وأولويته في هذه المرحلة التي تحتاج البلاد فيها حاجة أكيدة إلى الإنفاق على مصارف الزكاة فيها، وكفاية المحتاجين وسد حاجة المُعوِزين؛ فمصر وأهلها أولَى بمساعدة مواطنيها وأبنائها.

والله سبحانه وتعالى أعلم

 الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام - مفتي الجمهورية - دار الإفتاء المصرية


أضف هذا الموضوع إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على ما حكم نقل زكاة الفطر وتوزيعها على أبناء الوطن الأصلي ؟

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الموضوع الآن!

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
29004

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري