آخر الأخباراخبار الفن والثقافة › فيلم "سبعة أرطال": الحياة على حافة خيط رفيع

صورة الخبر: ملصق الشريط
ملصق الشريط

رمضان سليم: يمكننا ان نعود الى مسرحية شكسبير الشهيرة "تاجر البندقية" لنلتمس منها خيطا صغيرا ‏يقربنا الى هذا الفيلم "سبعة أرطال" لمخرجه الايطالى غابيريل ماسينو فى ثانى تجربة له على ‏صعيد الافلام الامريكية، بعد تجارب ايطالية محلية.‏

كل من قرأ هذه المسرحية الشهيرة يعلم بأن المرابي شايلوك قد طلب رطلا من لحم المدين ‏انطونيو فى حال عدم دفع المال فى الأجل المحدد، وبالفعل كان شايلوك يريد ذلك، لولا أن لاح فى ‏الأفق خبر من أراد أن يتدخل، بصرف النظر عن مجىء السفن أو عدم مجيئها.‏

فى هذا الفيلم سارت الأمور على العكس تماما، اذ ليس هناك من يدفع أو يطالب بالانتقام ‏تعويضا، بل هناك من يقدم أرطال من اللحم للآخرين، تعبيريا عن المساعدة وبديلا عن الأخذ ‏بالعطاء.‏

خيط رقيق:-‏
ربما كان الخيط دقيقا، غير أنه من الوضوح بحيث يصبح موضوعا دراميا بديلا. لكن وفى جميع ‏الأحوال لا تأتى المساعدة عشوائية وبلا تبرير درامى واضح والشخصيات لابد لها أن تترك وفق ‏بواعث معينة، ولهذا وجدنا "بورشيا" فى مسرحية شكسبير تتنكر فى شخصية المحامى لتنقذ من ‏ساعد خطيبها، وتدافع عنه دفاعا بليغا وقانونيا وتنقذه فى اللحظات الاخيرة.‏

فى هذا الفيلم "سبعة أرطال" هناك حوافز وبواعث، ليست عاطفية صريحة، ولكنها متعلقة ‏بتساؤلات حول الموت والوجود والتكفير عن الخطيئة، وقبل كل شىء البحث عن فداء النفس ‏والتضحية من أجل الآخرين.‏

شخصية واحدة: -‏
كما هى عادته فى أفلامه الأخيرة يضع الممثل "وليام سميث" نفسه فى اطار الشخصية الواحدة، ‏المهيمنة تقريبا على كل الفيلم، وهذه الشخصية قد تكررت معه فى فيلمه السابق "هانكوك ‏‏2008" رغم الاختلافات الظاهرة فى تكوين الشخصية، وكذلك فى فيلم "أنا اسطورة 2007". ايضا ‏فى فيلم "على 2001" وفى فيلم "اسطورة باقرفيت 2006".

كما يذكر أن للممثل فيلما اخرجه ‏نفس المخرج "غابيريل ماسينو" وكان بعنوان "ملاحقة السعادة" انتاج 2006 واحداثه ‏متقاربة لموضوع هذا الفيلم "سبعة أرطال" بل يمكن اعتبارها مقدمة لهذا الفيلم.‏
من أين يمكننا أن نبدأ؟ وكيف يمكننا أن نصل الى النهاية؟
يصيبك هذا الفيلم بالحيرة، اذ يوشك نصفه تقريبا أن ينتهى، بلا امكانية لالتقاط أى معنى ‏واضح. ان الشخصية الرئيسية "بين توماس" تتحرك وهى تعرف لماذا تفعل ما تفعل! غير أن ‏المشاهد المتابع للفيلم لا يمكنه أن يدرك ذلك، حيث لا توجد معلومات مطروحة لها طابع تمهيدي ‏كما يحدث فى أكثر الأفلام.‏

فى أول مشاهد الفيلم نجد رجلا مثقلا بالألم والمعاناة، يتصل بالاسعاف، مبلغا عن جريمة انتحار ‏وسوف تقع، وعندما يسأل عن المجنى عليه يقول بأنه هو الضحية. لكن "السياق لا يكمل الحدث ‏ويقفز الى مشاهد أخرى متداخلة، لا توضح المقاصد بل تزيدها ارباكا.‏

خارج الكادر:-‏
فى مشهد آخر يأتى الصوت من خارج الكادر: لقد خلق الله العالم فى سبعة أيام وانا أخرب ‏عالمي فى سبع ثوانى، هذا ما يقوله بين توماس. نعم ربما كانت المشاهد التالية هى التفسير ‏لمثل هذه المقولة، لكن رغم ذلك فالفيلم يحافظ على سريته، فلا يفصح عن شىء إلا مع مرور ‏الزمن، وهو غير متسرع فى الكشف عن خفاياه. وفى هذا الصدد، ربما لا يبالى بالمتفرج ولا يكاد ‏يهمه أمره.‏

كما نعرف، يقول لنا كتاب السيناريو. بأن على الفيلم أن يقدم شيئا ما خلال الربع ‏الساعة الاولى ليورط المتفرج معه. غير أن هذا الفيلم لا يقدم لنا شيئا مهما كان واضحا حتى ‏بعد ساعة كاملة من الاحداث، وبالطبع بنية الفيلم تقوم على عدم الوضوح أو الخفاء ‏المتدرج.‏

انتحال شخصية:-‏
فى مشهد معين وفى منتصف الفيلم تقريبا، يطلب الأخ من أخيه أن يرد له بطاقة الهوية التى ‏اخفها منه أو بالاحرى سرقها منه، وفى مشهد سابق يسأل الأخ الصغير لاخيه "بين" إذ كنت قد ‏أخذت منى شيئا فيرد عليه بأنه يتذكر ما اعطاه فقط، وبالفعل فقد كانت عطية الأخ "بين" ‏كبيرة، لأنه تبرع بجزء من رئته لمصلحة اخيه المريض بالسرطان.‏

رغم ذلك، نشعر بالشك بأن "بين توماس" يعمل فى مصلحة الضرائب، ولا ندرك انه ينتحل شخصية ‏اخيه إلا متأخرا. هناك تعدد واضح فى اختيار اماكن التصوير، وهذا التنوع أسهم فى تحريك ‏الحدث الرئيسي الساكن، حيث يجد المشاهد نفسه أمام ممارسة تحليلية وليس مجرد تطور فى ‏الأحداث.‏

يدخل "بين" أحدى المستشفيات والتى يعمل بها "ستيورات" ويطلب من عجوز مريضة أن توضح ما ‏تريد، فتكتب له على ورقة، مقدار تدمرها من الطبيب سيتوارت ويجدها تطلب حماما فقط ‏فيأمر بذلك.‏

ليس لبين أية علاقة بالمستشفى، لكنه يتحاور مع ستيورات حول احدى العظام التى يمكن أن ‏يتبرع بها. وهو يريد أن يعرف هل يستحق ستيورات هذا التقدير وهل هو رجل جيد أم سىء. ‏هناك شىء من السذاجة والتبسيط، لكنه أمر مقبول.‏

قائمة مختارة:-‏
يتجه الفيلم الى شىء من السطحية النسبية، ويتضح أن "بين توماس" سوف يقوم بالتبرع ‏بأجزاء من جسده لبعض المعارف، وعليه ان يدرك مسبقا هل هم يستحقون ذلك أم لا.‏

سوف نجد فى بداية الفيلم استعراض القائمة من الافراد، على شاشة الحاسوب، ومن هؤلاء ‏‏"أزرا" الرجل الأعمى الذى يعزف الموسيقى، وربما يعمل ممثلا أو وكيلا لاحدى شركات توزيع ‏الأغذية، يلفت ازرا الانتباه، بسبب تمثيل "وودى هاريسون" المتقن، وعندما يتصل به "بين ‏توماس" يكتشف بأنه أعمى فيحمل على اهانته والسخرية منه ويبالغ فى ذلك، لكن الرجل لا ‏يهتم بكل ذلك ويحافظ على شخصيته الهادئة، ولذلك ينال اعجاب بين وبالتالى يضعه فى القائمة ‏الرئيسية.‏

يتكرر معنا هنا "الرقم سبعة" ايضا، فنحن ازاء سبعة أفراد تشملهم قائمة واحدة، ويعمل ‏‏"بين" على الاتصال بهم، واحيانا التعرف عليهم، والسبب يرجع الى أنهم قائمة من المرضى، وكل ‏مريض يحتاج الى علاج لا يتأتى الا بالتبرع بأحد الأطراف، لذلك قلنا بأن شخصية "بين توماس" ‏تمثل التضحية أو الفداء. لإنه يقدم نفسه قربانا من أجل الآخرين، وهذه الازمة المتكررة فى ‏السينما تتداخل دائما مع فكرة المسيح، الذى قدم جسده فداءا لشرور الآخرين.‏

شخصية مختلفة:-‏
فى مشهد آخر يزور "بين توماس" امرأة تدعى هولي ويطالبها بتسمية شخص ما يستحق المساعدة، ‏وهو بالطبع يثق فيها وفى اختياراتها المؤكدة، وبالفعل تسمى له امرأة من امريكا ‏اللاتينية تدعى "كونى" تعيش مع طفليها، وهى تتلقى الضرب والاهانة من صديقها الذى يعيش ‏معها.

ولأن "بين توماس" قد نذر نفسه من أجل خدعة الآخرين، يقترح عليها المساعدة، على أن ‏تتصل به عندما ترى الوقت مناسبا. ورغم انها ترفض فى البداية بسبب الخوف، إلا أنها تتصل ‏به، حيث يهديها أورق ملكية بيته المطل على البحر لتسكن فيه، بينما يستقر هو فى أحد ‏الفنادق المتواضعة ولفترة محدودة.‏

لم يتمسك "بين توماس" الا بقنديل البحر وهى السمكة التى اهداها له والده منذ سنوات ‏طويلة محفوظة فى اناء زجاجى، به ماء فيتجدد باستمرار.‏

ولابد للمشاهد المتابع ان يدرك مبدئيا بأن هذه النوعية من السمك مسمومة وشهيرة بعضتها ‏القاتلة، لقد نقل هذه السمكة معه الى الفندق المتواضع لأمر معين يدبره لنفسه.‏

شخصية رئيسية: -‏
هناك شخصية رئيسية يحرض بين على متابعة حركاتها وسكانتها، وهو ينتحل شخصية أخيه لغرض ‏الاقتراب منها، وفعلا يظهر لها بأنه على دراية بحسابها الضرائيبي، وما يجب ان تدفعه الى جهاز ‏الضرائب. انها شخصية "أميلى" الفتاة التى تعيش بقلب مضطرب وقد قدر لها الأطباء أن تموت ‏خلال شهر أو أقل وهى تحتاج الى الدم باستمرار ودمها من فصلية نادرة.‏

تقوم بدور اميلى الممثلة "روزا توماس" ليمنحها عطية من عطياه، وهبة يرى انها تستحقها ‏عن جدارة. فى هذا الصدد يبدوا بين" شخصية شادة ونادرة وغريبة.‏
لكن "بين توماس" يقع فى حب هذه الفتاة، بعد ان حاول الانصراف عنها اكثر من مرة.

ثم نجده ‏يقدم لها يد المساعدة بشكل عام ايضا. إنه يزيل الاعشاب الزائدة من حديقتها ويحاول أن ‏يصلح لها آلة طباعة قديمة وينجح فى ذلك.‏

كما يختار السيناريو أن يركز على الكلب كبير الحجم الذى اختارته ليكون معها باستمرار، ‏وقد كان وسيلة تواصل بين الشخصين فى أكثر من مرة.‏

عاطفة خاصة:-‏
أن الفتاة اميلى تعمل فى طباعة بطاقات الافراح والتهانى وغيرها، وربما شعرت بأن الغريب ‏الذى يلاحقها، لا يمكنه أن يكون محاسب ضرائب، وحتى بعد أن عرفته جيدا وعرفت انه مهندس ‏طيران، لم يدر بخلدها انه ينوى أن يقدم لها هدية خاصة لا تقدر بثمن.‏

بين الحين والآخر يعود الفيلم الى الماضى، فى بلاش باك سريع وخاطف، احيانا يكون بين "بين ‏توماس وخطيبته". واحيانا يكون مجرد تصوير لبقايا حادث سيارة ومريع، ومع اقتراب الفيلم ‏من نهايته يتضح الموقف أكثر.‏

يبدو الفيلم رومانسيا أحيانا، وخصوصا عند تصويره للعلاقة بين "أميلى وبين توماس" ويتضح ‏ذلك فى الاعتماد على الاغانى الشعبية القديمة، لكنه الخط الدرامى لا يستمر طويلا فى هذا ‏الاتجاه، ولاسيما وأن الشخصية الرئيسية تتحرك بحوافز ذاتية ونفسية وتقودها فكرة ذهنية ‏تسلطية، لا سبيل الى التراجع عنها أو الهروب منها.‏

نهاية محيرة: -‏
تفسر لقطات الفلاش باك بعض ما هو مهم، فبسبب استخدامه للهاتف المحمول يتعرض "بين" وهو ‏يقود سيارته الصغيرة وبجوار، خطيبته، الى حادث خطير يكون هو السبب المباشر فيه، ويؤدى الى ‏قتل ستة اشخاص فى حافلة صغيرة، بالاضافة الى خطيبته، وهو أمر يدفعه الى الشعور بالذنب ‏ويدفعه الى التكفير عن خطايا بطريقة عاجلة، ويقرر أن يهب نفسه لمساعدة الآخرين، بل يمضى ‏الى أبعد من ذلك، فيمنح سبعة اسخاص أجزاء من جسده، بتنازل قانونى وشرعى.

لقد منح مثلا ‏أحد المهربين للعبة الهوكى كلية واحدة، ومنح أخاه جزءا من الرئة ومنح جزءا من الكبد ‏لهولى واعطى نيكول قطعة من العظام. اما ازرا فقد أوصى له بقرنية واوصى بقلبه للفتاة ‏التى احبها وهى اميلى.‏

نعم لحظة انتحار فى النهاية بواسطة قنديل البحر المسموم، وهناك بعض المبالغة فى تصوير ‏الشخصية، لكن يبقى الفيلم من نوعية مختلفة ونادرة لا تتكرر كثيرا فى أسواق السينما ‏التجارية.‏

المصدر: العرب أونلاين

قد يعجبك أيضا...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على فيلم "سبعة أرطال": الحياة على حافة خيط رفيع

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
1734

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

سجل في النشرة الاخبارية في نور الله