شخصيات إسلاميةشخصيات رجالية › عروة بن الزبير

عروة بن الزبير

أبوه الزبير بن العوام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها.

اختلف المؤرخون في تاريخ ولادته، فقيل إنه ولد في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ورجح ابن كثير في كتابه البداية والنهاية أنه ولد عام 23هـ.

وكان أبوه الزبير رضي الله عنه يرقصه وهو صغير، ويقول له:

أبيض من آل عتيق مبارك من ولد الصديق

ألذه كما ألذ ريقي

كان من فقهاء المدينة السبعة أو العشرة الذين اتخذهم عمر ابن عبد العزيز مستشاريه فيما يعرض له من أمور، وكان لا يصدر إلا عن رأيهم، كان فقيها عالما حافظا ثبتا حجة، عالما بالسير، ثقة، كثير الحديث مأمونا، وهو أول من ألف في السير والمغازي، وكان من أروى الناس للشعر، أخذ عن عدد من الصحابة وسواهم، ونظرا لصلته الخاصة بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقد أخذ عنها كل علمها، وكانت من أعلم الصحابة، حتى روى أنه قيل: لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج أو خمس حجج، وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما ندمت على حديث عندها إلا وقد وعيته، ولأجل هذه الصلة الوثيقة بعائشة واستفادته منها قال قبيصة بين ذؤيب أحد فقهاء المدينة: كان عروة يغلبنا بدخوله على عائشة، وكانت عائشة أعلم الناس.

الإشادة بعلم عروة

كان علم عروة الزاخر قد لفت انتباه كل من خالطه، والتقى به، وبخاصة من أبناء الأمويين والمروانيين، فقد روي عنه عمر بن عبد العزيز أنه قال: ما أعلم من عروة، وما أعلمه يعلم شيئا أجهله، وهذا عبد الملك بن مروان، وقد كان يجمعه هو عروة الجد في طلب العلم بالمدينة لما كان شابا، فما آلت إليه الخلافة، قصده الناس من هنا ومن هناك، وكان ابن شهاب الزهري في وفد من أهل المدينة قدموا عليه في دمشق،وكان أحدثهم سنا، ولفتت حداثة سن الزهري نظر عبد الملك، فسأله: من أنت؟

فلما انتسب إليه، قال له: لقد كان أبوك وعمك نعاقين في فتنة ابن الزبير، فقال الزهري: يا أمير المؤمنين، إن مثلك إذا عفا لم يعد، وإذا صفح لم يثرب، فأعجب عبد الملك منطق الزهري على حداثة سنه، فقال له: أين نشأت؟ فأجاب الزهري: بالمدينة.

سأل عبد الملك: عند من طبت (يعني العلم).

فأجاب: سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وقبيصة ابن ذؤيب ومع أنهم من جلة العلماء، فإن عبد الملك وجه الزهري قائلا: فأين أنت من عروة بن الزبير، فإنه بحر لا تكدره الدلاء.

قال الزهري فلما انصرفت من عنده، لم أبارح عروة بن الزبير حتى مات وكأنما كان عبد الملك يتذكر أيام شبابه، وهم لا زالوا بعد في مقتبل العمر، وقد جلسوا أربعة أو خمسة حسب روايات كتب الأخبار، عبد الملك، وعبد الله بن الزبير، ومصعب بن الزبير، وعروة بن الزبير، وتقول بعض الروايات إن عبد الله بن عمر كان معهم، وقد اجتمعوا في المسجد الحرام، وكان ذلك في عهد معاوية، فقال بعضهم: هلم فلنتمنه، فقال عبد الله بن الزبير منيتي أن أملك الحرمين، وأنال الخلافة، وقال مصعب: منيتي أن أملك العراقين وأجمع بين عقيلتي قريش: سكينة بنت الحسين، وعائشة بنت طلحة، وقال عبد الملك: منيتي أن أملك الأرض كلها، وأخلف معاوية فقال عروة: لست في شيء مما أنتم فيه، منيتي الزهد في الدنيا، والفوز بالجنة في الآخرة، وأن أكون ممن يروي عنه هذا العلم.

وكأنما كانت أبواب السماء مفتوحة فاستجابت لهذه الأمنيات في ساحة الحرم، وكأنما ظل عبد الملك يتذكر ذلك المجلس، كلما طاف به طائف من ذكريات الشباب، وكان يرى كلا منهم إلا عروة كان معلق القلب بالسماء، فلم يتمن شيئا من عرض هذه الدنيا وبهجتها، وإنما تمنى الزهد فيها، والفوز بالجنة، وأن تكون أيامه فيها وقفا على نشر العلم بين الناس، وتفجير ينابيعه في قلوبهم، ولذلك كان عبد الملك يقول: من سره أن ينظر إلي رجل من أهل الجنة فلينظر إلي عروة بن الزبير وليست هذه هي النصيحة الوحيدة التي وجهت إلي الزهري ليستفيد من علم عروة، بل هناك نصيحة أخرى جاءت من مصر كما جاءت الأولى من دمشق، قال الزهري: قدمت مصر على عبد العزيز بن مروان، وأنا أحدث عن سعيد بن المسيب، فقال لي إبراهيم بن عبد الله بن قارظ: ما أسمعك تحدث إلا عن ابن المسيب؟ فقلت: أجل، فقال: لقد تركت رجلين من قومك، لا أعلم أحدا أكثر حديثا منهما عروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن.

قال الزهري: فلما رجعت إلي المدينة، وجدت عروة بحرا لا تكدره الدلاء.

وقد أثر عن الزهري: بعد ذلك وهو أعلم التابعين، قوله: كنت أطلب العلم من ثلاثة: سعيد بن المسيب، وكان أفقه الناس، وعروة بن الزبير، وكان بحرا لا تكدره الدلاء، وعبيد الله ابن عبد الله بن عتبة، وكنت لا أشاء أن أقع منه على علم ما لا أجد عند غيره إلا وقعت، وكذلك قوله: "أدركت من بحور وأبا سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، فأما سلمة بن عبد الرحمن فكان يمارى ابن عباس فجرب بذلك علما كثيرا".

وكان أبو بكر بن عبد الرحمن يرى عروة بن الزبير، وعمر ابن عبد العزيز من الذين اكتملت فيهم الصفات التي تؤهلهم للعلم، فيقول: "إنما هذا العلم لواحد من ثلاثة: لذي نسب يزين به نسبه، أو لذي دين يزين به دينه، أو مختلط بسلطان ينتجعه به، ولا أعلم أحدا أجمع لهذه الخلال من عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، كلاهما ذو حسب، ودين، ومن السلطان بمكان" ...

وليس غريبا على عروة أن يبلغ هذه المنزلة من العلم، فقد كان جده في تحصيل العلم لا يعرف الكلل، فقد روي عنه أنه كان يقول: لقد كان يبلغني عن الرجل من المهاجرين الحديث، فآتيه، فأجده قد قال: ـ استراح وقت القيلولة ـ فأجلس على بابه، فأسأله عنه إذا خرج.

وكان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ـ وهو من أقرانه ـ يأخذ عنه الحديث، ولا يخفي سروره بما يأخذ عنه، فقد أتى ذات ليلة إلي عروة، فجل عروة يحدثه، وجعل عبيد الله يضحك، فظن عروة إنما ذلك من عبيد الله استهزاء، فقال له: ما يضحكك؟


فقال: إنك تحدثني عن عائشة، وتحملني على الملأ، وإن غيرك يحيلنا على الفاليس.

اهتمامه بنشر العلم

كان عروة حريصا على بث العلم ونشره حتى إذا كان يستحث غيره على سؤاله والاستزادة من المعرفة مما عنده فقد روي أنه كان يتألف الناس على حديثه، وكان يستحث أولاده على سؤاله، فيقول: يا بني، سلوني، فلقد تركت حتى كدت أن أنسى، وإني لأسال عن الحديث فيفتح حديث يومي، وكان يقول لأولاده: إنا كنا أصاغر قوم، ثم نحن اليوم كبار، وإنكم اليوم أصاغر، وستكونون كبارا، فتعلموا العلم تسودوا به، ويحتاج إليكم، فوالله ما سألني الناس حتى نسيت.

وكانت له كتب فقه سجل فيها ما عنده من المعرفة والعلم، ثم بدأ له، فمحاها اكتفاء بكتاب الله، ثم لما تقدمت به السن تمنى أن هذه الكتب كانت قد بقيت، وفي ذلك يروي عنه أبو الزناد قوله: "فوالله لوددت أن كتبي عندي، وأن كتاب الله قد استمرت مريرته (قوى واستحكم)، وهناك رواية عن ابنه هشام تقول: إن أباه كان حرق كتبا فيها فقه، ثم قال: لوددت أني كنت فديتها بأهلي ومالي".

ولهذه الثقة فيما عند عروة من علم كان الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذون عنه، فقد روي عن عبد الرحمن بن عوف قال: لقد رأيت الأكابر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإنهم ليسألونه عن قصة ذكرها.

مظهره
كان عروة حسن الهيئة، أنيق المظهر، وسيم الطلعة، وكانت هذه سمة العلية من أبناء قريش، ومن مظهر هذه الوسامة أنه كان لا يحف شاربه، وإنما يأخذ منه مأخذا حسنا، وكذلك كان ابن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وكان شديد العناية بنظافته، فكان يغتسل كل يوم، ويلبس الثياب المعصفرة.ص77.

وقال ابنه هشام: إنه كان يعصفر له الملحفة بالدينار، وكان آخر ثوب لبسه ثوب عصفور له بدينار، وكان يلبس كساء خز، ويلبس الطيلسان المزرر بالديباج فيه، وهو محرم، ولا يزره عليه، وكان يصلي في قميص وملحفة مشتملا بها على القميص، وكان يلبس في الحر قباء سندس مبطنا بحرير، وكان يخضب قريبا من السواد.

وهذه كلها مظاهر تدل على أنه كان في الحال من النعمة والثراء.

علمه بالسير والمغازى

كان عروة واسع المعرفة، محيطا بالسير والمغازى،حتى إنه أول من ألف في هذا الفن، إلا أن ما كتبه في فن المغازى والسير لم يصل إلينا. ويبدو أنه من بين الكتب التي أحرقها، ثم ندم عليها فيما بعد، وكان قادة عصره يعرفون عنه إلمامه بالسير والمغازى، فكانوا يبعثون إليه من وقت لآخر يسألونه عن أمر من الأمور التي تعرض لهم، ويريدون أن يعرفوا وجه الحق فيها، وكان عبد الملك بن مروان يكتب لعروة من وقت لآخر يستوضحه عن الأمر من السيرة، وعلى الرغم من ضياع كتب المغازى بين ما ضاع أو أحرق من كتبه، فإن قراءة كتب التاريخ بإمعان يمكن للباحث من خلال الإمعان فيها أن يستخلص رواية كاملة للسير والمغازى جاءت عن طريق عروة، ولعل الله يهبنا القوة، ويفسح لنا في الأجل حتى نحقق هذا، ونخرج السيرة للناس من رواية عروة بن الزبير، وهذه نماذج من السيرة أجاب بها عروة عبد الملك بن مروان لما بعث يسأله عنها:

من ذلك أن عبد الملك لما بعث إليه يسأله عن أول أمر الإسلام كتب إليه: "أما بعد، فإنه ـ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ـ لما دعا قومه لما بعثه الله من الهدى والنور الذي أنزله عليه، لم يبعدوا منه أول ما دعاهم، وكادوا يسمعون له، حتى ذكر طواغيتهم وقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال أنكروا ذلك عليه، واشتدوا عليه، وكرهوا ما قال لهم، وأغروا به من أطاعهم، فانصفق عنه عامة الناس، فتركوه إلا من حفظه الله منهم، وهم قليل، فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث، ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتنوا من تبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال على من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الإسلام، فافتتن من افتتن، وعصم الله منهم من شاء، فلما فعل ذلك بالمسلمين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلي أرض الحبشة ـ وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشي، لا يظلم أحد بأرضه، وكان يثني عليه مع ذلك صلاح، وكانت أرض الحبشة متجرا لقريش يتجرون فيها، يجدون فيها رفاغا ورفاهية من الرزق، وأمنا ومتجرا حسنا، فأمرهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة، وخاف عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح، فمكث بذلك سنوات يشتدون على من أسلم منهم، ثم إنه فشا الإسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم".

وفيما يلي نموذج ثان ردا على كتاب عبد الملك إلي عروة يسأله عن وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها قال: "إنك كتبت إلي في خديجة بنت خويلد تسألني متى توفيت؟ وإنها توفيت قبل مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة بثلاث سنين أو قريبا من ذلك، ونكح عائشة متوفى خديجة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى عائشة مرتين، يقال له هذه امرأتك، وعائشة يومئذ ابنة ست سنين، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى بعائشة بعدما قدم المدينة، وهي يوم بنى بها ابنة تسع سنين".
أما النموذج الثالث فإنه كان أيضا ردا على تساؤل عبد الملك لما كتب إلي عروة يسأله عن أمر خالد بن الوليد يوم الفتح لما فأجابه قائلا: "أما بعد فإنك كتبت إلي تسألني عن خالد بن الوليد؛ هل أغار يوم الفتح؟ وبأمر من أغار؟ وإنه كان من شأن خالد يوم الفتح أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ركب النبي بطن مر عامدا إلي مكة، وقد كانت قريش بعثوا أبا سفيان وحكيم بن حزام يتلقيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم حين بعثوهما لا يدرون أين يتوجه النبي صلى الله عليه وسلم، إليهم أو إلي الطائف؟ وذاك أيام الفتح، واستتبع أبا سفيان، وحكيم بن حزام بديل بن ورقاء، وأحب أن يصحبهما ولم يكن غير أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل، وقالوا لهم حين بعثوهم إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لا نؤتين من ورائكم، فإنا لا ندري من يريد محمد؛ إيانا يريد، أو هوازن يريد، أو ثقيفا؟
وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش صلح الحديبية، وعهد ومدة، فكانت بنو بكر في ذلك الصلح مع قريش، فاقتتلت طائفة من بني كعب وطائفة من بني بكر، وكان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش في ذلك الصلح الذي اصطلحوا عليه: "لا إغلال ولا إسلال" فأعانت قريش بني بكر بالسلاح، فاتهمت بنو كعب قريشا، فمنها غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة، وفي غزوته تلك لقي أبا سفيان وحكيما وبديلا بمر الظهران فبايعوه، فلما بايعوه بعثهم بين يديه إلي قريش يدعوهم إلي الإسلام، فأخبرت أنه قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وهي بأعلى مكة، ومن دخل دار حكيم ـ وهي بأسفل مكة ـ فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه وكف يده فهو آمن.

وإنه لما خرج أبو سفيان وحكيم من عند النبي صلى الله عليه وسلم عامدين إلي مكة بعث في إثرهما الزبير وأعطاه رايته، وأمره على خيل المهاجرين والأنصار، وأمره أن يغرز رايته بأعلى مكة بالحجون، وقال للزبير: لا تبرح حيث أمرتك أن تغرز رايتي حتى آتيك، ومن ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأمر خالد بن الوليد فيمن كان أسلم من قضاعة وبني سليم، وأناس إنما أسلموا قبيل ذلك أن يدخلوا من أسف مكة، وبها بنو بكر قد استنفرتهم قريش أن يكونوا بأسفل مكة، فدخل عليهم خالد بن الوليد من أسفل مكة وحدثت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخالد والزبير حتى بعثهما: لا تقاتلا إلا من قاتلكما، فلما قدم خالد على بني بكر والأحابيش بأسفل مكة، قاتلهم فهزمهم الله عز وجل، لوم يكن بمكة قتال غير ذلك، غير أن كرز بن جابر أحد بني محارب بن فهر، وابن الأشعر ـ رجلا من بني كعب كانا في خيل الزبير، فسلكا كداء فقتلا، ولم يكن بأعلى مكة من قبل الزبير قتال، ومن ثم قدم النبي صلى الله عليه وسلم، وقام الناس إليه يبايعونه، فأسلم أهل مكة، وأقام النبي صلى الله عليه وسلم عندهم نصف شهر، لم يزد على ذلك، حتى جاءت هوازن وثقيف فنزلوا بحنين".

عبادته
كان عروة رجلا صالحا، وقد وسع عليه في الرزق والجاه إلا أن ذلك لم يصرفه عما يليق بأهل التقوى والصلاح من الإقبال على العبادة والنسك تقربا إلي الله تعالى، واستزادة من فضله، وكانت هذه سجية فيه منذ الحداثة، فقد مر بنا لما اجتمع مع نظرائه، وأخذ كل منهم يتمنى لنفسه، فكانت أمنيته نشر العلم في الدنيا والفوز بالمغفرة في الآخرة، ورجل يفكر بهذه الطريقة لابد أن يكون عامر الصلة بالله، موصول القلب بربه، مراقبا له في كل أموره.

وقد روى ابنه هشام أنه كان يسرد الصوم، وكان يصوم الدهر كله إلا يومي الفطر والنحر، وأنه مات وهو صائم، حتى في السفر كان يكون معه الرفقة فيصومون ويفطرون عملا بالرخصة، فلا يأمرهم بالصيام، ولا يفطر هو بل يستمر على صيامه عملا بقوله تعالى:

{ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ }(البقرة،الآية:184) .

وكان دائم التلاوة لكتاب الله تعالى والعكوف عليه، فكان يقرأ ربع القرآن كل يوم نظرا في المصحف، فإذا جاء الليل، قام الليل ثانيا للقرآن وقد حدثوا أنه لم يخلف هذه العادة مطلقا إلا ليلة قطعت رجله، ثم استأنف التلاوة في اليوم التالي كعادته التي جرى عليها طوال حياته.

صفاته وأخلاقه

كان عروة رجلا يحب معالي الأمور، ويأخذ نفسه بها، ويربي عليها أبناءه، وقد مر بنا وصيته لأولاده في طلب العلم، وكان يقول: "إني لأعشق الشرف كما أعشق الجمال"، وكان يقول لأولاده: "يا بني لا يهدين أحدكم إلي ربه عز وجل ما يستحي أن يهديه إلي كريمه، فإن الله عز وجل أكرم الكرماء، وأحق من اختير إليه"، ويقول لهم: "يا بني تعلموا، فإنكم إن تكونوا صغراء قوم عسى أن تكونوا كبراءهم، واسوأتاه، ماذا أقبح من شيخ جاهل".
وكان يرى أن تصرفات الشخص تعبير حقيقي عن طبيعته الكامنة، وسلوكه، وأن الإنسان الذي يبدر منه العمل الطيب يدل ذلك على طبيعة خيرة في حناياه، تدعوه إلي أن يفعل مثلها، وأن الذي يفعل السوء يومئ فعله إلي ما تنطوي عليه نفسه من رغبة في عمل الشر؛ حتى ولو ظن الناس به غير ذلك؛ ولذلك كان من نصيحته لأولاده قوله: "إذا رأيتم خلة شر رائعة من رجل فاحذروه، وإن كان عند الناس رجل صدق، فإن لها عنده أخوات، وإذا رأيتم خلة خير رائعة من رجل فلا تقطعوا عنه إياسكم، وإن كان عند الناس رجل سوء، فإن لها عنده أخوات".

وقد كرر هذا المعنى في صورة أخرى حيث قال: "إذا رأيت الرجل يعمل الحسنة فاعلم أن لها عنده أخوات؛ فإن الحسنة تدل على أخواتها، وإن السيئة تدل على أخواتها".

وكان عروة رجلا شديد الحياء، يخشى أن يحرج أصدقاءه، وأقاربه؛ حتى ولو أدى ذلك إلي تنازله عن حقوق خاصة به، وفي مسلكه مع طلحة بن عبيد الله أوضح دليل على ذلك، فقد كان طلحة بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر يمت إليه بصلة القرابة من جهة أمه، وكانت أم طلحة عائشة بنت طلحة وكانت قد تزوجت مصعب بن الزبير، وكان عروة قد أودع عند طلحة مالا من مال بني مصعب بن الزبير لما خرج إلي الشام، وبلغ عروة أن طلحة يبني ويبتاع الرقيق والإبل والغنم، وربما صاحب ذلك إشاعة تقول: إن طلحة قد بدد المال الذي أودعه عنده عروة، فلما قدم عروة، وسمع ما يتناقله الناس كره أن يكشفه، وأن يسأله عن المال، فسكت عنه، وجعل يلقاه، ويستحي أن يتحدث معه فيه، فلما طال به العهد، ولم يسأل طلحة الأموال، قال له طلحة: ألا تريد مالك؟ قال: بلى، وكأنما كان ينتظر من طلحة ذلك، ليكفي نفسه مؤونة الحرج.

قال له طلحة: فأرسل فخذه، سأله عروة: متى؟

فأجاب: متى شئت، فبعث معه عروة رسولا؛ فإذا هو قد هدم عليه بيتا، واستخرج المال، وأتى به إلي عروة.
وسر عروة أن يرى طلحة قد حفظ الأمانة، وكذب إشاعات الناس، وأدرك أن ذلك لدينه المتين، وحسبه العالي، فتمثل قائلا:

فما استخبأت في جل خبيئا ذوو الأحساب اكرم مأثرات الدين أو حسب عتيق وأصبر عند نائبة الحقوق
سخاؤه
كان عروة رجلا سخيا، يرى أن الله قد أفاء عليه العلم والشرف والجاه والمال، فكان يحب أن يشركه الناس فيما أفاء الله عليه، وقد رأينا رغبته في نشر العلم، أما سخاؤه بالمال فكان يحب أن يجعله للعامة من الناس، وكان له حائط (حديقة) بها نخل، فإذا حان وقت جناها، وجاء ميعاد الرطب تلم فيها جدارها ثلما؛ ليعبر الناس منه فيأخذوا ما يشتهون من رطبها، يأكلون ويحملون، وكان ينزل حوله ناس من البدو يدخلون فيأكلون ويحملون أيضا، ويظل الجدار مثلوما كذلك طيلة مدة الرطب، فإذا مضى أوانه أصلح الجدار ورممه، وكان كلما دخل حديقته تلك ردد قوله تعالى:

{ وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ } (الكهف،الآية:39) .

وقد عبر عن مسلكه هذا في الحياة خير تعبير بما أثر عنه من قوله: "مكتوب في الحكمة: لتكن كلمتك طيبة، وليكن وجهك بسطا، تكن أحب إلي الناس ممن يعطيهم العطاء".

وقد كان عروة بكلمته هذه يعبر أصدق تعبير عن الآداب والأخلاق التي أوصى بها الإسلام في كتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، واقرأ إن شئت قوله تعالى:

{ وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ } (الحج ،الآية:24) .

وقوله:

{ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } (آل عمران ،الآية :159) .

وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم"

صبره وتحمله

لولا أن كتب التاريخ والأخبار أجمعت على ما روى عن صبر عروة وتحمله لما وقعت الأكلة في رجله، واحتيج إلي قطعها لما استطاع المرء أن يصدق ما روى، ولقد كانت قصة عجبا حقا تقول: إن عروة في إحدى سفراته إلي دمشق، بعد أن دان الأمر لبني أمية، وزال ملك أخيه عبد الملك بمكة، أصابت الأكلة رجله في الطريق، وأخذت الإصابة تزداد يوما بعد يوم حتى وصل إلي دمشق، وعرف بالأمر الوليد بن عبد الملك، فاستدعى له الأطباء، فأجمع رأيهم على قطعها خوفا من سريان الداء في الساق كلها، ثم الجسد بأكمله، وأخذ الوليد يقنعه بقطعها حماية لبقية جسمه من التلف، فلما استجاب لرأي الأطباء، وأخذوا يعدون العدة لنشرها، عرضوا عليه أن يسقوه مخدرا لئلا يحس بألم القطع فرفض ذلك قائلا: ما ظننت أن أحدا يؤمن بالله يشرب شيئا يغيب عقله، حتى لا يعرف ربه عز وجل، ولكن إذا كنتم ولابد فاعلين، فافعلوا ذلك، وأنا في الصلاة، فإني لا أحس بذلك ولا أشعر به، فنشروا رجله من فوق الأكلة من المكان الحي احتياطا أنه لا يبقى منها شيء، وهو قائم يصلي، وكان صائما، فما تضرر ولا اختلج، وهناك رواية تقول: إنهم قالوا نسقيك الخمر حتى لا تجد لها ألما، فقال: لا استعين بحرام الله على ما أرجو من عافيته، قالوا: فنسقيك المرقد، قال: ما أحب أن أسلب عضو من أعضائي، وأنا لا أجد ألم ذلك، فاحتسبه، ودخل عليه قوم فأنكرهم، فسأل: من هؤلاء؟ قالوا: يمسكونك، فإن الألم ربما عزب معه الصبر.

قال: أرجو أن أكفيكم ذلك من نفسي، فقطعت وهو يهلل ويكبر، ثم أغلي الزيت في مغارف الحديد، فحسم به الجرح مكان القطع حتى لا ينزف، فغشي عليه من شدة، الألم، ثم أفاق والعرق يتصبب على وجهه.

ولما رأى القدم بأيديهم، دعا بها، فقلبها في يده، ثم قال: أما والذي حملني عليك، إنه ليعلم أني ما مشيت بك إلي حرام، وكأنما كان هذا السفر يحمل له كثيرا من الآلام والأحزان، ففي نفس الليلة التي قطعت فيها رجله كان له ابن اسمه محمد قد صحبه معه في سفره، وكان فيما يقال أحب بنيه إليه، فدخل دار الدواب فرفسته فرس فمات، فدخلوا عليه يعزونه فيما أصابه، وكان الوليد بن عبد الملك أول المعزين له، فكان جوابه تسليما مطلقا لأمر الله، ورضى بقضائه وقدره، وكان مما قال تلك الكلمات التي أثرت عنه، وهي: "اللهم لك الحمد، كانوا سبعة فأخذت واحدا وأبقيت ستة، وكان لي أطراف أربعة، فأخذت واحدا وأبقيت ثلاثة، فلئن كنت قد أخذت فلقد أعطى، ولئن كنت قد ابتليت فقد عافيت".

ولما قضى حاجته من دمشق رجع إلي المدينة، ولم يجر على لسانه شكوى، أو ألم مما حل به في نفسه وفي ولده في ذلك السفر، حتى وصل إلي وادي القرى في طريق عودته إلي المدينة، وهو المكان الذي ظهر فيه الداء في رجله سمعه يقول: (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا).

ولما وصل إلي المدينة أتاه أهلها يسلمون عليه ويعزونه في رجله وولده، وكان مما عزاه به عيسى بن طلحة بن عبيد الله قوله: "والله ما كنا نعدك للصراع، ولقد أبقى الله لنا أكثرك، أبقى لنا سمعك، وبصرك، ولسانك وعقلك ويديك وإحدى رجليك" ..

فقال له عروة: "والله يا عيسى، ما عزاني أحد بمثل ما عزيتني به وقد جاءت هذه التعزية في صيغة أخرى في الطبعة التي حققها إحسان عباس هي: "والله ما بك حاجة إلي المشي، ولا أرب في السعي، وقد تقدمك عضو من أعضائك، وابن من أبنائك إلي الجنة، والكل تبع للبعض، إن شاء الله تعالى، وقد أبقى الله لا منك ما كنا إليه فقراء، وعنه غير أغنياء من علمك ورأيك. ونفعك الله وإيانا به، والله ولي ثوابك والضمين بحسابك ..."

وترامى إلي مسمع عروة أن بعض الناس يقول: إنما أصابه هذا بذنب عظيم أحدثه فلما سمع ذلك أنشد قول معن بن أوس:

لعمرك ما أهويت كفى لريبة ولا قادني سمعي ولا بصري لها ولست بماش ما حييت لمنكر ولا مؤثر نفسي على ذي قرابة وأعلم أني لم تصبني مصيبة ولا حملتني نحو فاحشة رجلي ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي من الأمر لا يمشي إلي مثله مثلي وأوثر ضيفي ما أقام على أهلي من الدهر إلا قد أصابت فتى قبلي

ويبدو أن نزول هذه الأحداث بعروة وهو في دمشق في ضيافة الوليد قد أثر في نفس الوليد، وتأثر أيما أثر على ما نزل بصديق أبيه، وكان عروة لما أصيبت رجله شيخا في سن الخامسة والستين، ويقال إنه عاش بعد ذلك ثماني سنوات، وحدث أن قدم في نفس التي أصيب فيها عروة وابنه قومن من بني عبس وفدا على الوليد، وكان فيهم رجل ضرير فسأله الوليد عن عينيه.

فقال: يا أمير المؤمنين، بت ليلة في بطن واد، ولا أعلم عبسيا يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيل، فذهب بما كان لي من أهل وولد ومال غير بعير وصبي مولود، وكان البعير صعبا، فند، فوضعت الصبي، واتبعت البعير، فلم أجاوز إلا قليلا حتى سمعت صيحة ابني، ورأسه في فم الذئب، وهو يأكله، فلحقت البعير لأحبسه، فنفحني برجله على وجهي، فحطمه وذهب بعيني، فأصبحت لا مال لي، ولا أهل، ولا ولد، ولا بصر.

فقال الوليد لما سمع قصته: "انطلقوا به إلي عروة ليعلم أن في الناس من هو أعظم منه بلاء.."

وكان من عادة عروة أن يجلس كل ليلة بعد صلاة العشاء الآخرة، وهو وعلي زين العابدين في آخر المسجد يتحدثان وجرى بينهما الحديث ذات ليلة عما يقع من بني أمية من الجور، والمقام معهم، وهما لا يستطيعان تغيير ذلك، ثم ذكرا ما يخافان من عقوبة الله لهما لسكوتهما على هذا الجور، فقال عروة لعلي: يا علي، إن من اعتزل أهل الجور، والله يعلم منه سخطه لأعمالهم، فإن كان منهم على ميل، ثم أصابتهم عقوبة الله رجي له أن يسلم مما أصابهم.
وقد سكن عروة بالعقيق وبني قصرا هناك، فعوتب في ذلك وقيل له أتهجر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "إني رأيت مساجدهم لاهية وأسواقهم لاغية والفاحشة في فجاجهم عالية، فكان فيما هناك عما هم فيه عافية" وواضح من قوله، أنه يريد أن يعتزل الناس.

روايته للشعر

بعث معاوية إلي عروة مقدمه المدينة فاستنشده الشعر ثم قال له أتروي قول جدتك صفية بنت عبد المطلب:
خالجت آباد الدهور عليهم فلو كان زبر مشركا لعذرته وأسماء لم تشعر بذلك أيم ولكنه ـ قد يزعم الناس ـ مسلم
قال نعم وأروي قولها:

ألا أبلغ بني عمي رسولا وسائل في جموع بني علي بأنا لا نقر الضيم فينا متى نقرع بمروتكم نسؤكم ويظعن أهل مكة وهي سكن مجازيل العطاء إذا وهبنا ونحن الغافرون إذا قدرنا وأنا والسوابح يوم جمع ففيم الكيد فينا والإمار إذا كثر التناشد والفخار ونحن لمن توسمنا نضار وتظعن من أماثلكم ديار هم الأخيار إن ذكر الخيار وأيسار إذا حب الخيار وفينا عند عدوتنا انتصار بأيديها وقد سطع الغبار

وإنما قالت ذلك في قتل أبي أزيهر تعير أبا سفيان بن حرب، وكان صهره قتله هشام بن الوليد، قال معاوية حسبك يا ابن أخي هذه بتلك وقد روى لعروة بعض أبيات من الشعر ومما قاله لما بني قصر العقيق:

بنيناه فأحسنا بناه تراهم ينظرون إليه شزرا فساء الكاشحين وكان غيظا يراه كل مختلف وسار بحمد الله خير العقيق يلوح لهم على وضح الطريق لأعدائي وسر به صديقي ومعتمر إلي البيت العتيق

وبئر عروة مشهور بالعقيق طيبة الماء، وفيها يقول أحد الشعراء:

لو يعلم الشيخ غدوى بالسحر في فتية مثل الدنانير غرر بين أبي بكر وزيد وعمر قد شمخ المجد هناك وأزمخر يسقون من جاء ولا يؤذي بشر قصدا إلي البئر التي كان خصر وقاهم الله النفاق والضجر ثم الحواري لهم جد أغر

فهم عليها بالعشي والبكر لزاد في الشكر وإن كان شكر

عروة وخالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد

كان عبد الرحمن بن خالد بن الوليد والي حمص، منذ أيام عثمان، وكان قد عظم شأنه بالشام، ومال إليها أهلها، لما كان عندهم من آثار أبيه خالد، ولبأسه وما أوقعه بالروم، وما أظهره من شجاعة وجلد، فأحبه الناس، وخشي معاوية على نفسه منه، وساورته من أن يرى رجلا مثل عبد الرحمن، وقد تعلقت به القلوب بهذه الصورة، فطلب من ابن أثال أن يعمل الحيلة في قتله والتخلص منه، وضمن له في نظير ذلك أن يضع عنه خراجه ما عاش، وأن يوليه جباية خراج حمص.

وبيت ابن أثال الأمر في نفسه، وأخذ يتحين الفرصة المواتية ليحقق لمعاوية ما أراده، وكان ابن أثال رجلا غزواته المظفرة ببلاد الروم، وكان المفروض أن تنصب له حفلات التكريم والإجلال لخدماته التي أداها للدولة، ولكن الخوف على السلطان أفسد كل الأمور، وجعل النجاح سببا للخوف، ومبررا للموت بدلا من الحياة، ودس ابن أثال شربة مسمومة إلي عبد الرحمن مع بعض مماليكه، فشربها، ومات بحمص، ووفي معاوية لابن أثال بما ضمنه له، فوضع عنه خراجه وولاه خراج حمص.

ولم يعد ما حدث سرا، فقد تحدث به الناس، وتناقلته الأخبار، في جنبات الدولة المختلفة، وأصبح حديث المجالس، وحدث أن جلس خالد بن عبد الرحمن إلي عروة بن الزبير، ويبدو أنه لم يعرفه، فسأله: من أنت؟
فأجاب: أنا خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد.

فقال عروة: ما فعل ابن أثال؟

وكأنما أحس خالد أن عروة يعرض به، وبعدم انتصاره لدم أبيه، فقام من عنده، وخرج من فوره متوجها إلي حمص، وهناك أخذ يترصد لابن أثال لتمكنه منه الفرصة، حتى رآه يوما راكبا، فاعترضه خالد، فضربه بسيفه فقتله، ولما رجع الأمر إلي معاوية حبسه أياما ثم أغرمه دية ابن أثال، ورجع خالد إلي المدينة بعدما أخذ بثأر أبيه، ثم أتى عروة، فسلم عليه، فقال له عروة: ما فعل ابن أثال؟

فأجاب عبد الرحمن: قد كفيتك ابن أثال، ولكن ما فعل ابن جرموز؟ فسكت عروة ولم يجب، وكأنما يعرض بأولاد الزبير أن لم يأخذوا بثأر أبيهم، حينما قتله ابن جرموز.

وكان خالد حين قتل ابن أثال لم يتوار، وإنما أنشد:

أنا ابن سيف الله فأعرفوني ولم يبق إلا حسبي وديني

وصار صل به يميني

وري صاحب نسب قريش قال: لما قتل الزبير يوم الجمل كان موقف بنيه في غاية من الحرج والضيق، فلم يدعهم الناس وفقد أبيهم، بل أخذوا يلقونهم بما يكرهون، وقد ضايق ذلك أشد الضيق بني الزبير، وفي ذلك يقول عروة: لما قتل الزبير يوم الجمل جعل الناس يلقوننا بما نكره، ونسمع منهم الأذى، فقلت لأخي المنذر: انطلق بنا إلي حكيم بن حزام حتى نسأله عن مثالب قريش، فنلقي من يشتمنا بما نعرف.

فانطلقنا حتى دخلنا عليه داره، فذكرنا ذلك له، فقال لغلام له: أغلق باب الدار، ثم قام إلي سوط راحلته، فجعل يضربنا وتلوذ منه، حتى قضى بعض ما يريد. ثم قال: أعندي تلتمسان معايب قريش، ايتدعا في قومكما يكف عنكما ما تكرهان.

يقول عروة: فانتفعنا بأدبه.

في غمرة الأحداث:

نشأ عروة كما نرى من سير أحداث حياته في المدينة المنورة، وأخذ عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبخاصة خالته عائشة رضي الله عنها، وكان مثل العلية من أبناء قريش، وقد مر بنا حديثه مع عبد الملك وأخويه عبد الله ومصعب ابني الزبير لما جلسوا يتمنون، ولما وقعت أحداث فتنة ذي النورين عثمان رضي الله عنه كانت الأمور تمضي به وبأمثاله ممن هم في سنه هينة سهلة حتى قتل عثمان، وولي على الخلافة، وثارت الفتنة وكان لعائشة دور كبير في المطالبة بدم عثمان، وكان الزبير على رأس المعارضين لعلي هو وطلحة بحجة الأخذ بالثأر من قتلة عثمان، وفي موقعة الجمل رج عروة لصغر سنه، وهناك رواية تقول: إن عبد الله أخاه هو الذي طلب إلي أبيه أن يعيده، لما رآه أعاد أخوة له ليسوا أشقاء، ولكن الذي تواترت عليه كتب السير فيما عدا البلاذري في أنساب الأشراف أن عروة وأبا بكر بن عبد الرحمن ممن ردا يوم الجمل لصغر سنهما، إذ كان كل منهما في سن الثالثة عشرة، وهذا هو أول حدث يوشك أن يدخل عروة فيما كان يدور من الصراع بين المسلمين في ذلك الوقت، ولكنه نجا منه بفضل صغر سنه.

ولما صفا الأمر لبني أمية بعد عام الجماعة هدأت الأمور أيام معاوية، وانصرف كل إلي شأنه، وكان ذلك حقا بسبب ما أبداه الحسن رضي الله عنه من إيثار مصلحة الأمة وتجنيبها الفرقة، والحرص على حقن دماء المسلمين، إلا أن الصراع الذي هدأ، والوحدة التي عاش الناس في ظلها بدأ لابنه يزيد من بعده، فأخذت سحب الفرقة تغيم سماء المسلمين، وبدأت النزعات الكامنة تظهر، وجرت الأحداث دامية محزنة انتهت بمقتل الحسين رضي الله عنه في العراق، بعدما آل الأمر إلي يزيد، ودعا ابن الزبير إلي نفسه في مكة، وانتشر سلطانه مدة على العراق ومصر، وبدا على الساحة السياسية ثلاث جماعات تتصارع مما مزق وحدة المسلمين كل ممزق: الزبيريون في الحجاز، والأمويون في الشام، والمغامرون الذين تستروا تحت راية الأخذ بثأر الحسين رضي الله عنه في العراق بزعامة المختار بن أبي عبيد الثقفي، يضاف إلي هؤلاء جمعيا الخوارج الذين لا يرضون عن واحدة من هذه الجماعات، ويرون حربهم جميعا وخروجهم عن الإسلام، وبدأت هذه الجماعات المتحاربة تأكل بعضها واحدة تلو الأخرى، وانفرط عقد المسلمين، وسالت الدماء بينهم حتى لم يعد هناك من قوى تواجه بعضها إلا الزبيريين في الحجاز والعراق بعد مقتل المختار، والأمويين أو بني مروان من بعدهم في الشام، ولم يلبث بنو مروان أن انتزعوا العراق من الزبيريين، وقتل مصعب ابن الزبير، وتحصن أخوه عبد الله بمكة، في هذا الجو المضطرب عاش عروة، ولم يكن يستطيع أن يكون بمنأى عنه، حتى لو أراد؛ لأن أخاه عبد الله كان يدعو لنفسه، وكان عروة معه بمكة لما اشتد به الحصار، وأخذ عدد ممن حوله يزينون له أن يستسلم؛ ولكنه أبى، وقد جرى هذا الحديث مرة وعروة حاضر، وكان عروة يرى أن يتنازل أخوه حقنا للدماء، ويرى فيما فعل الحسن مع معاوية قدوة له، وقد أورد صاحب العقد وصفا لهذا المجلس الأخير لابن الزبير، وما جرى فيه من حوار فقال لما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها ابن الزبير، جمع من كان معه من القرشيين، فقال: ما ترون؟

فقال رجل من بني مخزوم من آل بني ربيعة: والله لقد قاتلنا معك حتى لا نجد مقيلا، ولئن صبرنا معك ما نزيد على أن نموت، وإنما هي إحدى خصلتين، إما أن تأذن لنا فنأخذ الأمان لأنفسنا وإما أن تأذن لنا فنخرج.
فقال ابن الزبير: لقد كنت عاهدت الله أن لا يبايعني أحد فأقيله بيعته إلا ابن صفوان. فقال له ابن صفوان: أما أنا فإني أقاتل معك حتى أموت بموتك، وإنها لتأخذني الحفيظة أن أسلمك في مثل هذه الحالة.

قال له رجل آخر: اكتب إلي عبد الملك بن مروان.

فقال له: كيف اكتب: من عبد الله أمير المؤمنين إلي عبد الملك بن مروان، فوالله لا يقبل هذا أبدا، أم اكتب: لعبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من عبد الله بن الزبير فوالله لأن تقع الخضراء على الغبراء أحب إلي من ذلك.

فقال عروة بن الزبير وهو جالس معه على السرير ـ: يا أمير المؤمنين قد جعل الله لك أسوة. قال: من هو؟

قال:حسن بن علي خلع نفسه، وبايع معاوية.

فرفع ابن الزبير رجله فضرب بها عروة حتى ألقاه عن السرير، وقال: يا عروة، قلبي إذا مثل قلبك، والله لو قبلت ما يقولون ما عشت إلا قليلا، وقد أخذت الدنية، وإن ضربة بسيف في عز خير من لطمة من ذل".

ويبدو أن عروة كان قد شارك في القتال، فقد روي له البلاذري بيتا من الشعر أنشده وهو يقاتل:

أبي الحواريون إلا مجدا من يقتل اليوم يلاق رشدا

الرحلة إلي عبد الملك

لم يكد الحجاج يدخل مكة بعد مقتل عبد الله بن الزبير حتى امتطى عروة ناقة نجيبة، ومعه مال خرج به إلي المدينة، فأودعه هناك، ثم واصل السير إلي عبد الملك بدمشق حتى وصلها قبل رسل الحجاج، فقال للحاجب: استأذن لي على أمير المؤمنين، فسأله: من أنت؟

فقال: قل له أبو عبد الله، ولما أخبر الحاجب عبد الملك قائلا: إن رجلا يستأذن، ويقول: قل له أبو عبد الله.
قال: ذاك عروة بن الزبير، ائذن له.

فلما دخل سلم عليه بالخلافة، وعانقه ورحب به وأجلسه على السرير. فقال عروة:

نمت بأرحام إليك قريبة ولا قرب للأرحام ما لم تقرب

ثم جرى الحديث بينهما حتى وصل إلي عبد الله بن الزبير، فقال عروة: بان، فسأل عبد الملك: وما فعل؟

أجاب عروة: قتل رحمه الله.

فخر عبد الملك ساجدا.

قال عروة: فإن الحجاج صلبه، فهب جثته لأمه.

قال: نعم. وكتب إلي الحجاج يعظم ما بلغه من صلبه، وكتب إليه بشأن عروة قائلا: إن عروة كان مع أخيه، فلما قتل عدو الله أخذ مالا من مال الله وهرب.

فكتب إليه عبد الملك: إنه لم يهرب، ولكنه أتاني مبايعا، وقد أمنته وحللته مما كان، وهو قادم عليك، فإياك وعروة. ويبدو أن عروة كان قد عاد إلي الشام بعد دفن أخيه، إذ كانت الصلة بينه وبين الملك قديمة أيام أن كانا يجلسان معا في مسجد المدينة، وعز على الحجاج أن يفلت عروة بالأموال، فعاود الكتابة إلي عبد الملك بشأنه حتى هم عبد الملك أن يبعث به إلي الحجاج، فقال عروة لما أحس ذلك من عبد الملك: ليس الذليل من قتلتموه، ولكن من ملكتموه، وقال: ليس بملوم من صبر حتى مات كريما، ولكن الملوم من خاف من الموت، وسمع مثل هذا الكلام.
فقال عبد الملك: لن تسمع أبا عبد الله شيئا تكرهه. ويبدو أن عروة أقام بعض الوقت عند عبد الملك، وأظهر عبد الملك من إكرامه والحفاوة به ما يليق بعروة، وربما جدد ذلك لهما صحبتهما في مسجد المدينة، لما كانا في أول الشباب جادين في تحصيل العلم والنسك، وكان عبد الملك معجبا بعلم عروة، وقد مر بنا إشارته على الزهري أن يلزمه، فدخل هو وعروة يوما بستانا فأعجب عروة جماله ونظامه وشجره وثماره، فقال: ما أحسن هذا البستان. فقال عبد الملك: أنت والله احسن منه، إن هذا يؤتي أكله كل عام وأنت تؤتي أكلك كل يوم.

هل ولى عروة اليمن لعبد الملك

ذكر صاحب العقد الفريد أن عروة كان عاملا على اليمن لعبد الملك بن مروان، وكانت العلاقة بين عروة والحجاج علاقة تربص وتوثب، والحجاج رجل الدولة، ويدها اليمنى، ومسكت منافسيها في العراق والحجاز، وما كان له أن يستريح، وهو يرى أخ عدو بني مروان اللدود يتولى عملا لهم على اليمن، ولم ينس بعد الأموال التي أخذها واحتمى منه بعد الملك، واتصل بعروة أن الحجاج عازم على مطالبته بالأموال التي تحت يده، وعزله عن عمله، ففر إلي عبد الملك، وعاذ به تخوفا من الحجاج. واستدفاعا لضرره وشره.

فلما بلغ الحجاج لجوء عروة إلي عبد الملك غاظه ذلك وكتب إليه: أما بعد، فإن لواذ المعترضين بك، وحلول الهائجين إلي المكث بساحتك، واستلانتهم دمث أخلاقك، وسعة عفوك كالعارض المبرق لأعدائه، لا يعدم له شائما، رجاء استمالة عفوك، وإذا أدنى الناس بالصفح عن الجرائم كان ذلك تمرينا لهم على إضاعة الحقوق مع كل ضال، والناس عبيد العصى، هم على الشدة أشد استباقا منهم على اللين، ولنا قبل عروة بن الزبير مال من مال الله، وفي استخراجه منه قطع لطمع غيره فليبعث به أمير المؤمنين إن رأى ذلك والسلام.

يقول صاحب العقد الفريد: فلما قرأ عبد الملك الكتاب بعث إلي عروة، ثم قال: إن كتاب الحجاج قد ورد فيك، وقد أبى إلا إشخاصك إليه، ثم قال لرسول الحجاج: شأنك به. فالتفت إليه عروة مقبلا عليه، وقال: "أما والله ما ذل وخزى من مات، ولكن ذل وخزى من ملكتموه، والله لئن كان الملك بجواز الأمر، ونفاذ النهي، إن الحجاج لسلطان عليك، ينفذ أموره دون أمورك، إنك لتريد الأمر يزينك عاجله، ويبقى لك أكرومة آجله، فيجذبك عنه، ويلقاه دونك، ليتولى من ذلك الحكم فيه، فيحظى بشرف عفو إن كان، أو بجرم عقوبة إن كنت وما حاربك من حاربك إلا على أمر هذا بعضه".
فنظر عبد الملك في كتاب الحجاج مرة أخرى بعد سماع مقالة عروة، ورفع بصره إلي عروة تارة، ثم دعا بدواة وقرطاس، فكتب إليه: "أما بعد، فإن أمير المؤمنين رآك مع ثقته في نصيحتك خابطا في السياسة خبط عشواء الليل، فإن رأيك الذي يسول لك أن الناس عبيد العصى هو الذي أخرج رجالات العرب إلي الوثوب عليك، وإذا أحرجت العامة بعنف السياسة، كانوا أوشك وثوبا عليك عند الفرصة، ثم لا يلتفتون إلي ضلال الداعي وهداه إذا رجوا بذلك إدراك الثأر منك. وقد وليت العراق قبلك ساسة وهم يومئذ أحمى أنوفا وأقرب من عمياء الجاهلية، وكانوا عليهم أصلح منك عليهم، وللشدة واللين أهلون، والإفراط في العفو افضل من الإفراط في العقوبة والسلام.

الأيام الأخيرة

ولم تكد تنجلي هذه الشدة، ويستريح الناس جميعا من الحجاج، حتى يعود عروة إلي المدينة، ويستقر بها، وينصرف للعلم والفقه والمغازي والرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلي جانب البذل من جاهه وماله ما ينفع الناس، وهو الذي حفر بئر عروة المعروفة حتى اليوم، وكان في منهجه في نشر العلم متبعا للأثر، مقتفيا له، حتى قال ابنه هشام عنه: ما قال أبي في شيء برأيه قط، وكان قد عكف على بناء قصر له بالعقيق، فلما انتهى منه وحفر بئره، دعا جماعة فأطعمهم، فلما عاتبوه على ترك المدينة، قال تلك الكلمة التي رويت عنه، والتي تشعر بأن الناس انصرفوا إلي ما لا ينفعهم، فوجد السلامة في البعد عنهم، وقد يعبر عن ذلك قوله: "لم يعد في المدينة إلا حاسد على نعمة أو شامت بمصيبة.

وتوفى عروة رحمه الله في أرضه عام 94 هـ على الصحيح ودفن بها، وهي السنة التي يقال لها سنة الفقهاء لكثرة من توفى منهم فيها، فرحمه الله ورضى عنه.

 

 

عدد المشاهدات: 9603
حمل تطبيق نور الله
سجل في النشرة الاخبارية في نور الله
عقارات السعودية
إعلن عن عقارك في سمسار السعودية
عقارات السعودية
إعلن عن عقارك في سمسار السعودية