آخر الأخباراخبار الفن والثقافة › جميل حمداوي يبحث في الشأن النقدي ومناهجه في الثقافة العربية

صورة الخبر: نقد النقد
نقد النقد

صدر مؤخرا عن نادي القصيم الأدبي بالسعودية كتابٌ نقدي قيِّم عنوانُه "مناهج النقد العربي الحديث والمعاصر" لأستاذنا القدير د. جميـل حمـداوي الذي يَعْرفه القارئ المغربي باعتباره نموذجا للمثقف المعاصر الموسوعي اطـلاعا وتأليفا.

وقوامُ الكتاب المذكور 296 صفحة من القِطع المتوسط، موزَّعة على ستة عشر فصلا مصدَّرة بمقدمة عامة تناول فيها الباحث مفهوميِ النقد والمنهج النقدي، وسلّط خلالها الضياءَ على تاريخ النقد الأدبي لدى العرب منذ الجاهلية إلى أيامنا هذه مركزا على المسألة المنهجية في خطابنا النقدي الحديث والمعاصر بخاصة. وأنْهى حمداوي دراسته بخاتمة مقتضَبَة ضمَّـنها زُبْدة ما توصّل إليه من نتائج وخلاصات تاركا المجال البَحْثي في الموضوع مُشْرَعا على مِصْراعيه في وجه غيره من الدارسين والمهتمين بالشأن النقدي ومناهجه في الثقافة العربية.

لقد خصَّ الناقد أولَ فصول كتابه بالحديث عن نظرية التلقي أومنهج القراءة في الديار الغربية مبرزا تاريخه ومساره هناك، وموضحا مبادئه ومقوّماته كما لدى إيزر وياوس؛ أهم منظِّرين لاستراتيجية التلقي في النقد الغربي، وهما معا من جامعة كونستانس الألمانية. ودَلَف بعد ذلك ،في الفصل الثاني، إلى الحديث عن منهج آخرَ هو"المُقاربة التناصّية"، فانطلق من تحديد مفهوم التناصّ "Intertextualité" وتِبيان أهميته الإجرائية ومدى إسهامه في فهم الأدب المقارَن والوقوف على أشكال التثاقف والتعالق بين الآداب والثقافات، وتعرّض إلى التناص في الحقلين الغربي والعربي؛ هذا الأخير بدأ يشهد هذا الضرب من المقاربات الحداثية في وقت متأخر جدّا، وختم كلامَه بإبراز آليات التناص وإوالياته ومفاهيمه المركزية. ومِن أهم ميكانيزمات التناص المستنسخاتُ النصية أوالكليشيهات "Clichés" التي أفرَد لها الكاتب فصلا بكامله للحديث عنها بشكل مستفيض، وقد عدَّها واحدة من أبرز مكونات النص الأدبي الخطابية، ولا سيما النص الروائي، وذلك لِما لها من إيحاءات دلالية ووظيفية وأبعاد فنية ومرجعية. والمستنسخاتُ النصية ،حسبما جاء في الكتاب "ص58"، "عتبات خارجية وداخلية ترد في شكل تيبوغرافية لغوية وبصرية بارزة وعادية للإحالة والتضمين والإيحاء والإشارة إلى خلفيات النص وما وراء الرسالة الإبداعية التي لا تخرج عن كونها خطابا تناصيا قائما إما على المحاكاة المباشرة أوغير المباشرة وإما على الحوار والمستنسخ التفاعلي". وإلى جانب التعريف بالمستنسخ النصي بإسْهابٍ، بيَّن حمداوي مظاهره وأهميته، وعرَّج بنا على واقع المستنسخ في الأدبَين الغربي والعربي، ولاسيما في أحد أجناس الأدب التي يكـثر فيها، ونقصد الـرواية بأنواعها الثلاثة: الكلاسيكـية والتجريبية والتأصيلية، ثم أوْضَح كيفية التعامُل مع خطاب المستنسخات في مجال السرديات الحديثة تحديدا؛ كما في "أوراق" عبد الله العروي التي نصَّ صاحبُها على كونها "سيرة إدريس الذهنية". ولم يكتفِ الكاتب بالحديث عن المقاربة التناصية نظريا، بل ارْتأى أن يعْقد فصلا لتجْريبها في مقاربة أحد الأعمال الروائية التي تندرج في إطار التخييل التاريخي والتخييل الصوفي/ المَناقِبي، وهورواية "جارات أبي موسى" لأحمد التوفيق؛ وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربي الحالي؛ بحيث حاول أن يكشف لنا تجليات التناص المختلفة في العمل المَعني بالمقارَبة سواء على المستوى السياقي الخارجي أوالصِّياغي الشكلي أوالدلالي المَقصدي.

وتعد المقاربة المُناصية،التي تحْفِل بدراسة النصوص المُوازية "Paratextes" أوعتبات النص "Seuils"، المنهجَ النقدي الثالث الذي وقف عنده الناقد في كتابه المقروء في هذا التقرير المقتضَب وقوفا رامَ الخوض في إشكالية نقل مصطلحه إلى الثقافة العربية الذي أثار نقاشا واسعا بين صفوف نقادنا ومترْجِمينا، وحاول الكاتب في الآن نفسِه تأصيل ذلك المصطلح بالتنقيب في أغوار أدب العرب منذ القدم، وعرّفنا بالنص الموازي اصطلاحا، وبوظيفتيه الرئيستين الجمالية والتداوُلية، وبنوعيه الأساسيين: النص الموازي الداخلي "Péritexte" والنص الموازي الخارجي "Epitexte"، وسلّط ضوءا كاشفا ،عقبَ ذلك، على مسألة النص الموازي في ثقافتنا قديما وحديثا مُنتهيا إلى أن اهتمام هذه الثقافة بذاك الموضوع البديع كان ضحلا، ولم يُولَ العناية اللازمة بعدُ. إن المقاربة المناصية المقترَحة من قبل أستاذنا منذ سنوات إجرائيةٌ إلى حد بعيد، ولها جميعُ الإمكانات وتتمتع بفعالية أكيدة وقادرة على تحقيق نتائج معتبَرَة إذا طُبّقت بوعي واستُوعِبت جيدا من لدن المُقْدِم على تجريبها في الدراسة الأدبية. وقد اقترح حمداوي ،في الفصل السادس، استثمارها ديداكتيكيا في تدريس الأدب العربي في مؤسساتنا التعليمية؛ هذا التدريس الذي يشهد ،منذ مدة ليست بالقصيرة، تعثرا بيداغوجيا على مستوى الإبلاغ في مواجهة المتعلمين، ولبْسا في تقريب الأدب وموضوعاته وقضاياه ومسائله إلى المَعنيين بالأمر.

إن المقاربة المناصية بديلٌ منهاجي قدّمه الناقدُ ،بعد أن أثبتتِ التجربة قصورَ المناهج القرائية السائدة ومحدوديتها الإجرائية؛ لإيمانه بمدى فعّاليته في تدريس الأدب العربي داخل ثانوياتنا وجامعاتنا، ولكونه "مـنهجية متكاملة تنفتح على كل المناهج النقدية الأخرى وتستـوْعبها بكل مرونة وانتقائية وحُسنِ توظيفٍ واستثمار ناجح" "ص111".

وجعل الباحثُ للمنهج السيميائي ،الذي يقاربُ الظاهرة الأدبية وغيرها بوصفها علامة أوعلامات دالّـة بقَطْع النظر عن طبيعتها، حيزا مهمّا ضمن دراسته هذه؛ إذ بدأ بتحديد المصطلح والوقوف عند إشكالية ترجمة مفهومه إلى العربية التي أثارت نقاشا لمّا ينتهِ بعدُ، ولم ينسَ التأريخ له واستيضاح منابته ومرجعياته، وإبراز بعض أعلامه المشهورين ولاسيما سوسير وبيرس. وبيّن مبادئ السيميوطيقا حاصرا إياها في ثلاثةٍ بارزة، تتجلى في كوْن التحليل السيميائي تحليلا مُحايثا وبنيويا ومُتّسِما بقدرته الخطابية التي تُعِينُه على تحليل الخطاب "Discours" من خلال بناء نظام لإنتاج الأقوال والنصوص. وأوْضَح موضوع السيميائيات، وصِلاتها بالمجالات الأخرى كاللسانيات، ومجالات تطبيق المقاربة السيميولوجية التي اسْتُغِلّت مفاهيمُها وآلياتها في عدة ميادين أدبية وغير أدبـية، ولعل أهم اتجاهـاتها ومدارسها المدرسةُ الأمريكـية الرائدة التي استـنارت بجهود شارل سانـدرس بيـرس وتأثرت بها، والمدرسة الأوربية التي عملت بنَتاجات فرديناند دوسوسير وتأثرت بأفكاره وتنظيراته المبثوثة في كتابه المعروف "محاضرات في اللسانيات العامة" الصادر في العقد الثاني من القرن الماضي.

وآثر الناقد ختْم كلامه النظري عن المنهج السيميائي بإلقاء نظرة سريعة على واقع الدرس السيميائي في نقدنا المعاصر.
ولتنوير موضوع السيميائيات أكثر والإلمام بجوانبَ أخرى منه، أضاف الباحث فصلين دائرَيْن في الفَلَك السابق نفسِه. فأما أولهما فتحدث فيه عن اتجاهين معروفين في السيميائيات: سيميولوجيا التواصُل التي يمثلها برييطووآخرون، وسيميولوجيا الدلالة التي يتزعمها الفرنسي الراحل رولان بارط. وأما ثانيهما فقد وقف فيه عند أحد رجال مدرسة باريس السيميولوجية، وهوجوزيف كورتيس، مُبْرزا إسهامه الفاعل في الاشتغال على النصوص وَفق المقاربة السيميائية.

وارتباطا بالمناهج النقدية، أدْرج الباحث ضمن ثنايا كتابه موضوع الدرس الببليوغرافي الذي أضحى يكتسي أهمية مـتزايدة في الآونة الأخيرة في النقـد العربي فضلا عن الثـقافة الغربية التي كانت سـبّاقة إلى الاحتفال به منذ عقـود. وفضّل أن يقصِّرَ حديثه في هذا الإطار عن أحد فرسان النقد الببليوغرافي العربي، وهوالدكتور محمد قاسمي الذي يعد ،في نظر حمداوي، "المؤسِّس الحقيقي للدرس الببليوغرافي في الجامعة المغربية" "ص172"، وله إسهاماتٌ مشهودة ومجهوداتٌ قيِّمة في مجال الببليوغرافيا استهلها بوضع ببليوغرافيات لعدد من أجناس الأدب في المغرب لينتقل إلى توسيع نطاق اشتغاله ليشمل الرقعة المغاربية كلَّها.

ومن المناهج النقدية المتحَدَّث عنها في الكتاب قيْد القراءة، والتي لا يكاد القارئ العربي يعرف عنها شيئا ذا بال، المنهج الأسطوري الذي وَفَد علينا من الغرب عبر قناتي الترجمة وفعْل التثاقف بعد منتصف القرن العشرين. ويُعنى هذا المنهج بدراسة الأساطير والرموز الخيالية بوصفها بدائلَ لما هوواقعي/ مادي. ولاستجْلاء معالم المنهج الأسـطوري/ الأنـثروبولوجي وتِبـيان مقوّماته بإفـاضةٍ، عرّفنا الباحث بمفهومي الأنـثروبولوجيا والنقد الأسطوري، ووضّح خُطْواته ومصطلحاته ومفاهيمه الإجرائية، وألقى ضياء على تاريخ الاتجاه الأسطوري وواقعه في النقد الغربي "تايلور – فرايزر – شتراوس.." ليُرْدفه بالتطرق إلى ذلك الاتجاه في ساحة النقد العربي والذي مثـّله بعضُ نقادنا كالمرحوم مصطفى ناصف في كتابه "قراءة ثانية لشعرنا القديم". وختم الناقدُ حديثَه عن هذا المنهج برصْد بعض نقائصه ونقط ضـعفه، وهي نقـائصُ لا يخلومنها أي منـهج مهما ادّعى مطبِّـقوه أوالمنتصرون له من كمال ونضج!

ونالتِ المقاربة البلاغية الأسلوبية حظها من اهتمام الكاتب، وتجلى ذلك في إفْراد فصلين لها؛ قدَّم في أولهما ،وهوالثالث عشر حسب ترتيب فصول الكتاب، قراءة في كتاب "بلاغة النص المسرحي" للدكتور محمد أنقّار، الذي صدرت طبعته الأولى سنة 1996 عن مطبعة الحداد يوسف إخوان بتطوان، والذي قارَبَ فيه صاحبُه مسرحياتٍ تنتمي إلى ثقافات مختلفة، وذلك في ضوء بلاغة الصور الدرامية وأسلوبية المَشاهد. وتعرّض في ثانيهما ،وهوالخامس عشر، إلى إبراز أوْجُه استثمار المنهج الأسلوبي في دراسة لغة الرواية وما تثيره من القضايا ذات الصلة.

وخَصّ الناقدُ الفصلين المتبقيَيْن بالحديث عن المنهج البنيوي اللسانياتي والمنهج البنيوي التكويني، جامعا بين التنظير والتطبيق، ونابشا في تاريخهما، ومبرزا صُواهما ومقوّماتهما وحسناتهما وثغراتهما، ومُلْقيا ضوءا على واقعـهما في النقديـن الغربي والعربي، قبل أنْ يخـتم كتابه كـله بخاتمة مركزة جدّا مَتلُـوّة بكشّاف حاوأهـمَّ المراجع والمصادر التي عاد إليها المؤلِّف لإعداد هذه الدراسة، وبفهرسِ محتوياتها.

إن كتاب الدكتور جميل حمداوي قيِّمٌ حقـّا وذو نفع أكيدٍ؛ لأنه استطاع أن يقدّم لنا مناهج نقدية معاصرة غربية كانت إلى عهد قريب جدّا غريبة وشبه مجهولة عن جمهور القراء العرب، وأن يعرّفنا بها، بكيفية مفصَّلة وبصورة مبسَّطة.

ويبدو من خلال تصفّح الكتاب مدى استيعاب الناقد مناهجَ النقد المعاصر، ومدى تمثله لها وقدرته الواضحة على استثمارها عمَليا في المعالجات النقدية وفي تناول متون أدبية عربية.

وهو بذلك يُسْدي للمكتبة النقدية العربية مؤلَّفا حقيقا بالتقدير والاعتماد في الدراسة، وما أحْوَجَنا إلى مثل هذه المؤلفات التي تضع بين أيدينا، بتلك الصورة، مناهج النقد الحداثي التي شهدها الغرب في فترة أوْجه وتألقه!

وتحْسُن الإشارة إلى أن حمداوي يعد الآن واحدا من دارسِي المغرب المتألقين ومن نقاده المُكثرين ومن مثقفيه متعـدِّدي الاهتـمامات ومن كُـتابه النّـشِـطين في عالم النشر الـورقي والرقـمي.

وقد وُلد عام 1963 بمدينة الناظـور، شمال شرق المملكة المغربية، وحصل عام 2001 على دكتوراه الدولة في الأدب العربي المعاصر من كلية آداب وجدة. وهوعضوفي عدد من الاتحادات والجمعيات الوطنية والعربية، ومشارك في عدد من لجان التحكيم. وإلى جانب كونه ناقدا فهومُبدعٌ له جملة من القصص القصيرة جدا، وديوانُ شعرٍ مطبوعٌ نال به جائزة مرموقة في السنوات القليلة الماضية.

وفي ريبـرتواره الآن ما يَنيف عن الثلاثين دراسة أدبية وفكرية، وما يرْبوعلى أربعمائة مقالة في مجالات معرفية متعددة ومتنوعة. وباختصار شديد أقول إن حمداوي نموذج بارزٌ للمثقف المغربي الطَّموح الذي يعشق مملكة الحَرْف عشقا لا حدود له، والذي يتمتع بهِمّة لا تعرف الفتور ولا الكَلال، ويصرّ دوما على إتْحافنا بالجديد وإفادتنا بكل ما يخطّه يراعُه السّيّال، ويؤمن أن المثقف الحقَّ هومَن كان موسوعيا مُشاركا في حقول معرفية عدة؛ مثلما كان يفعل أسلافنا تماما!

المصدر: العرب أونلاين-فريد أمعضـشو

قد يعجبك أيضا...
loading...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على جميل حمداوي يبحث في الشأن النقدي ومناهجه في الثقافة العربية

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
15646

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق نور الله
سجل في النشرة الاخبارية في نور الله
أخبار المسلمين الأكثر قراءة
خلال 30 أيام
30 يوم
7 أيام
-
-
-
عقارات السعودية
إعلن عن عقارك في سمسار السعودية
عقارات السعودية
إعلن عن عقارك في سمسار السعودية