الأديب التونسي عبد القادر بن الحاج نصر: الكتابة لعنة قاسية ومدمرة

آخر الأخباراخبار الفن والثقافة › الأديب التونسي عبد القادر بن الحاج نصر: الكتابة لعنة قاسية ومدمرة

صورة الخبر: الأديب التونسي عبد القادر بن الحاج نصر: الكتابة لعنة قاسية ومدمرة
الأديب التونسي عبد القادر بن الحاج نصر: الكتابة لعنة قاسية ومدمرة

الإثنين, ‏05 ‏يوليه, ‏2010

متوحدا بحلمه الجامح وملتصقا بطفولته البدوية البريئة ينزوي بعيدا عن الأنظار ليلاحق أفكاره المجنحة ويستنبط أبطاله المحلقين في عوالم الخيال والمنغمسين في تفاصيل الحياة والمعبرين عن هموم الناس وقضاياهم.

هو يعترف بأنه مازال منحازا الى الشعر والقوافي حتى بعد هذه التجربة الطويلة والمتميزة في كتابة الرواية، هو يقر أن الأدب لا يستطيع أن يكون بديلا عن الحياة وكذلك دوره محدود جدا في المساهمة في الحوار بين الثقافات والحضارات ولكنه في نفس الوقت يراهن على الكتابة الروائية باعتبارها محفزا جيدا على طرح الأسئلة وبث روح الوعي في المجتمع،وهو يستنتج في الأخير بأن الحياة وجدت قصدا مبتورة حتى يملأها الانسان بالابداع. هذا هو الكاتب والسيناريست التونسي عبد القادر بن الحاج نصر الذي أثرى الساحة الثقافية التونسية والعربية بانتاجاته الأدبية الغزيرة والمختلفة.

حول مسيرته الأدبية الطويلة وأسرار عوالمه القصصية والروائية، وموقفه من ترجمة الأدب العبري، وعلاقة الأدب بالسينما التونسية وعدة محاور أخرى، كان لنا هذا الحوار مع الكاتب عبد القادر بن الحاج نصر:

* لو نعود بك إلى فترة البدايات ومراتع الصبا والمرحلة الأولى للتكوين، ما هي أبرز التجارب التي نهلت منها وتأثرت بها؟

- أولها نصوص كتاب القراءة في المرحلة الابتدائية. بعد ذلك كنت التهم أي كتاب سردي خاصة أعثر عليه وأي ديوان شعري. ولعل أولى الكتب التي وجدت فيها ضالتي تتمثل في ديوان "أغاني الحياة" لأبي القاسم الشابي.

ثم رواية "البؤساء" لفيكتور هيقو وقد قرأتها مترجمة الى العربية. أما المرحلة الأهم فهي من 1963 إلى 1975 حيث طالعت بنهم بالتوازي الرصيد الروائي الفرنسي خاصة والعالمي عامة، والرصيد الروائي المصري بالخصوص. فقد استفدت كثيرا من مورياك وسارتر وفرنسواز ساقان وسارّوت وفيرلين، ومالارمي، وأبولينار وتولوستوي إلى جانب عمالقة الرواية العربية كنجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وعبد الحليم عبد الله والسباعي. ولن أغفل في هذا الاطار الأدب المهجري. والقائمة لا حد لها.

* عادة ما ترتبط بداية كل كاتب بكتابة الخواطر والشعر، فهل مررت بهذه المرحلة؟ وكيف هي علاقتك بالشعر عموما؟

- هذا صحيح، فالشعر له سلطان سحري على كل محب للأدب خاصة في الخطوات الأولى. لكنني أعترف بأنني بعد هذه التجربة الطويلة مع الكتابة مازلت منحازا إلى الشعر أكثر من الرواية. فأبو القاسم الشابي وبدر شاكر السياب، ونازك الملائكة وابن الرومي والمتنبي وأبو نواس ورامبو وأبو لينار مازالوا يجذبونني بقوة إلى أشعارهم فأغرق في معانيها وأشكالها.

ومع هذا لا أخفي عنك أن الشعر في هذين العشريتين الأخيرتين فقد هالته وسلطانه إذ ركب موجته أناس كثيرون ليست لهم ثقافة شعرية، ولم يطلّعوا على التجارب العربية والعالمية وإنما همهم الوحيد هو أخذ مكان في الساحة الأدبية يخوّل لهم القاء القصائد بقطع النظر عن قيمتها مقابل مكافآت مالية.

* إذا كانت علاقة الدراما التونسية بالرواية مازالت محتشمة فإن علاقة السينما بالأدب التونسي منفصلة ومنقطعة تماما،فهل هو استعلاء من المخرجين التونسيين عن التعامل مع نظرائهم من الكتاب أم أن الكتابة للسينما تتطلب مواصفات مخصوصة غير متوفرة في الرواية والأدب التونسي؟ عموما كيف تحلل هذه الظاهرة خاصة ونحن نعيش هذه السنة في تونس سنة السينما؟

- لاشك أن السينما في تونس سجلت بعض النجاحات وحاول السينمائيون أن يعطوها طابعا وميزة تفرّق بينها وبين السينما الأجنبية، لكنها ظلت تعاني بعض النقائص من أهمها محدودية المواضيع المطروحة، وضيق الآفاق إلى جانب تمسّك المخرجين بتولّي كل الاختصاصات وإقصاء أصحاب المهنة من المشاركة في صناعة الأفلام،

فلقد بدأوا بإقصاء المؤلف والأعمال السردية التي تعتبر القاعدة الأساسية لإنجاز الشريط السينمائي وتحوّل المخرج إلى سيناريست وكاتب حوار ومنتج وقائم بالمونتاج.

إنني أعتقد أن القضية مادية بحتة فالسينمائي يسعى إلى جمع أكثر ما يمكن من العائدات المالية لنفسه، أي توسيع هامش الربح المادي مما يجنيه قبل الإنجاز وبعده وانطلاقا من هذه القاعدة يتم إقصاء أهم العناصر الفاعلة في صناعة السينما فينعكس ذلك سلبا على القيمة الفنية والأدبية للشريط السينمائي، ويضيق مجال الإبداع، وتتكلّس المواضيع المطروقة.

ويصبح الانتاج السينمائي يدور في دائرة مغلقة على عكس السينما العربية والأجنبية. يضاف إلى هذا جهل السينمائيين بمنظومة الإنتاج السردي من روايات وقصص، وهي منظومة متنوعة ومشهود لها بالتطور الفني والأدبي شكلا ومضمونا.

* هناك حضور بارز في أغلب رواياتك للطبقات البسيطة المهمشة، وانتصار واضح للمسحوقين والقيم الخيرة، فهل تعتبر نفسك صوت المهمشين ولسانهم؟

- ليتني اكون صوت المهمشين ولسانهم، ليتني أوفّق في ذلك.. لتعلم يا سيدي أن الكتابة الروائية تعبير عن المعاناة والإرهاصات والصراعات التي يخوضها كل منا متحديا بذلك ما يريد الآخرون أن يفرضوه بالحيلة أو بالقوة أو بالقوانين المصطنعة. والمهمشون وصغار القوم والضاربون في مناكب الأرض ساعين إلى لقمة العيش في سبيل من العرق هم الأولى في شد انتباه الكاتب الروائي..

لكن هؤلاء الذين تسميهم مسحوقين وأراهم متحدين لأقدارهم لا يحيون بمعزل عن أصحاب الجاه والنفوذ.. هم – هؤلاء وأولئك- يتواجهون يوميا، ويتبادلون النظر، ويتعاملون، تتفاعل المصالح بينهم، تقرّبهم إلى بعض وتفرقهم عن بعض، ثم يلتقون، مثلما تلتقي الضحية بالجلاد.. هكذا هي الدنيا، وهكذا هي المجتمعات. لذا ليس في مسيرتي الأدبية كتابات سردية انغلقت فيها على عالم البؤساء.

وإنما ركّزت على المواجهة الأبدية بين عالمين تتعارض فيهما المصالح، ويشتد فيهما الصراع. في هذا السياق لم ابن مساراتي الأدبية على الانتصار المباشر لطرف من الطرفين وإنما حرصت دائما على تصوير – في كل رواية – شريحة من المجتمع يتفاعل أفرادها، كل يدافع عن قناعاته، كل يريد أن يحقق أحلامه، كل يريد أن يثبت ذاته، إلا أن الوسائل تختلف والامكانيات تختلف والطموحات تختلف. وعناصر القوة والنفوذ تختلف، والأهم من ذلك تختلف لدى الطرفين المتقابلين المستويات الأخلاقية.

أدبيا ليس من حقي كروائي أن أنتصر لفريق وإنما أن أرسم هذه الصراعات، والأدوات المستعملة فيها في اطار فني يلتزم بمقتضيات الابداع وعلى القارئ تحديد مواقف المبدع والحكم عليها.

* الكتابة بين استحضار الواقع ولعبة القص والخيال، كيف تراها؟

- الكتابة الإبداعية في أي نوع من الأنواع ترتكزعلى الخيال فهو الذي يثري الأحداث، وهو – إن استعمل بحرفية المبدع – يؤثث علاقة الشخصيات فيما بينها من ناحية، وبينها وبين المحيط الخارجي من ناحية ثانية.

أما الواقع سواء بالاستحضار إذا كان الحديث عن زمن مضى أو بالمعايشة إذا كان الأمر يتعلق بالزمن الحاضر فإنه لا يمكن تناوله بطريقة مباشرة حتى لا يتحول الابداع إلى إنتاج تقريري. وهنا يصبح الخيال هو السبيل الأقرب إلى الكتابة السردية.

* ما هي الأسئلة التي تحركك للكتابة، والهواجس التي تسكنك وتحفزك على الابداع؟
- كثيرة هي الأسئلة، ومتعددة هي الهواجس، فأنا أسير في هذه الحياة وأرسل الأسئلة في كل حين وأبحث عن الأجوبة التي كثيرا ما تستعصي علي.

إن المسألة تكمن في الإثارة التي تدفعك إلى التساؤل. والخلق الأدبي هو مجموعة من الأسئلة التي يطرحها المبدع عندما تستفزّه أحداث أو مشاهد أو صور من صور المجتمع ثم إن الأجوبة ليست من مهمة الكاتب المبدع.

فالنص هو المحرّك الأساسي للقارئ كي يبحث عن الجواب الذي يظل نسبيا من قارئ إلى آخر، أما الحوافز الخاصة بالإبداع فتتمثل في مسؤولية الكاتب في مجتمعه، فهو يؤدي رسالة وواجبا وهذا يتطلب شعورا بالاطلاع الدقيق على قضايا المجتمع للتعبير عنها بما يتطلبه التعبير من صدق وحرفية وجمالية وتجديد.

* هناك من يعرّف الكتابة بأنها لعنة لذيذة لا غنى عنها، وهي أيضا لعبة من المرايا التي نرى فيها وجوهنا المشوهة. فكيف تعرّف الكتابة، وماذا يمثل لك الإبداع؟

- أنا لا أتفق مطلقا مع هذا الرأي.. فلا الكتابة لعنة لذيذة، ولا لعبة مرايا لإبراز وجوه مشوهة. الكتابة لعنة لكنها ليست لذيذة، إنها لعنة قاسية ومدمرة.

إذ الأثر الأدبي – الرواية أو القصة – لا تأتي إلا بعد صراع مرير متواصل مع الكلمة والأسلوب والقضية والأحداث والشخصيات، فإذا ما انتهى الكاتب من عملية التأليف التقفته لعنة المطبعة والنشر، ثم لعنة تصريف الكتابة، ولعنة التعريف بالإصدار الجديد، ولعنة نفور القارئ، فأي لذة في هذا.

لقد شعرت دائما بوطأة اللعنة لكنني لم أشعر باللذة. أما لعبة المرايا فإنني لا أؤمن بها إذ أنني أبحث من وراء الكتابة عن الوصول إلى جوهر الأشياء، إلى الزوايا التي لا يصل إليها القارئ العادي، إلى ما وراء ملامح الناس لأصور في النهاية الوجوه في شكلها الحقيقي.

* هل تؤمن بالتجريب في الكتابة؟

- التجريب هو إحدى الأدوات الرئيسية الأساسية في الكتابة، فإما أن تكون للكاتب المبدع قدرة على التجاوز، تجاوز الأشكال وطريقة عرض القضايا وإما فليصمت. إما أن تكون للمبدع جرأة على الهدم من أجل إقامة البناء على أسس جديدة وفي شكل جديد وإلا فليصمت. ولن يتأتى ذلك إلا لمن هو مسكون بالتجديد، يحترم نفسه ويحترم الآخرين من حوله.

ولا أعتقد أن من يسعى إلى التجديد من أجل التجديد فقط قادر على الصمود والمواجهة والاستمرار. فالتجديد من أجل التجديد هو عملية هدم لا تعقبها عملية بناء وهذا يفرغ الكتابة من محتواها شكلا ومضمونا.

* شخصياتك، هل تشبهك؟

- في روايات قليلة نعم فأنا موجود في "صاحبة الجلالة – وزقاق يأوي رجالا ونساء"، إنما روايتان من اثنتي عشرة رواية نشرت لي. إن شخصية "غانم" في "صاحبة الجلالة" تشبهني كثيرا لأنها تمر بمرحلة في حياتها شبيهة بمرحلة مررت بها.

وكذلك شخصية جابر في رواية "زقاق يأوي رجالا ونساء" لكن التفاصيل وأغلب الأحداث خارجة عن سيرة الكاتب.

* هل يحدث أن يستسلم الكاتب ويقع في غرام شخصية من شخصياته فتأسره وتستحوذ على قلمه، بعبارة أخرى من يكتب الرواية الكاتب أم الأبطال؟

- كل الشخصيات التي ابتدعتها أحببتها وشعرت بها جزءا مني.. إن الكاتب يتحول إلى مجموعة كائنات متحرّكة فاعلة سلبا وإيجابا.

في هذا السياق دعني أذكر لك ما كنت أثبته في صفحة مستقلة – الثالثة أو الرابعة – من رواية "عتبة الحوش"، عندما انتهيت من كتابة وقائع – عتبة الحوش ووضعت القلم، أخذني إحساس شديد بالبكاء على فطيمة والصافي وزبيدة وفجرة وحسين المفتي إذ حين ذهبوا وذهبت لم أدر أظلمتهم أم ظلموني" أما من يكتب الرواية الروائي أم الأبطال؟ فهذا سؤال يتطلب حبرا كثيرا.

* هل أنت مستبد في علاقتك بأبطالك؟

- لعلني أبعد الكتاب عن الاستبداد – كلما انهمكت في كتابة رواية، وتصوير شخصيات ورسم مسيرتهم، ونحت ملامحهم حاولت التزام الصدق والموضوعية، فأنا أقدم نماذج حية من المجتمع لها ميزاتها ودورها ونقاط اختلافها مع الآخرين. إنني لا أصور شخصيات طبق رغبة شخصية في التشويه أو التحسين.

الشخصيات ليست ملكي، ولا هم أتباعي. هم كيانات أخذتها من المجتمع وحاولت أن أبرز ملامح القوة أو الضعف لديهم. هم كيانات أعدت إبراز خصوصياتها، وعملت على أن لا أخلط بينها، ولا أزوّر قناعاتها وأحاسيسها وردود فعلها.

* إذا اعتبرنا أن التاريخ الأدبي ليس سوى استكشاف واستكناه للذاكرة، فما مساحة عمل الذاكرة في مخيلتك الروائية؟

- الذاكرة أساسية في الإبداع، ولا أعتقد أن مبدعا يكتب دون استخدام الذاكرة والاعتماد عليها حتى وإن كان النص الذي تكتبه خياليا.

إن الخيال الإبداعي يستند إلى مرجعيات في الزمن والمكان، وفي الزمن والمكان أشخاص يصنعون الأحداث أو يشاركون فيها بدرجات متفاوتة. أعتقد أن الذي يؤلف نصا إبداعيا خياليا إنما يفعل ذلك وفي ذهنه صور ومشاهد وأشخاص وأحداث هي بمثابة الأجنحة التي تحلّق بالخيال وتطبعه بالمصداقية والموضوعية.

* هل تعتمد على المخيال الشعبي في تشكيل عالمك القصصي والروائي؟

- حتى الآن لا.. وإذا ما تم ذلك في بعض الروايات أو القصص فدون تخطيط مسبّق.. قد يكون استخدام المخيال الشعبي في الأعمال السردية يتطلب تقنيات وثقافة محدّدة لم أشعر أني في حاجة إليها فيما كتبت وما أكتب حاليا.

* هل تستطيع الكتابة والأدب المساهمة في تغيير الواقع؟ وإذا كانت الاجابة بنعم فأي نوع من التغيير؟

- إذا كان المقصود بالواقع الوضع الاجتماعي أو السياسي فذلك من المستحيل في العالم العربي وفي الحالة الراهنة. لأن الأدب ليس له سلطة القرار، وهو لا يصل إلى القراء بسهولة وحتى وإن وصل إليهم فإنهم لا يقتنونه ولا يقبلون عليه ربما لأن الأدب في عصرنا لم يصل إلى مستوى الرسالة ولم يتمسك الأدباء بقناعات وأهداف محدّدة يمكن أن تقنع القارئ بجدواها.

أكثر الكتابات في واد وما يحدث في المجتمعات من متغيرات في واد. المشكلة أن المبدع يعتبر نفسه أقل درجة من السياسي، وأن رأيه في نحت المجتمع الجديد المتطور المحصّن ثقافيا واجتماعيا وحضاريا لا يأخذ به أحد وبهذه النظرة السلبية تتحول الكتابة إلى ما يسميه البعض ترفيها عن النفس، أو قتل الوقت المملّ.

الكتابة في فترات من التاريخ كانت فاعلة في المجتمعات لأنها ارتبطت بمعالجة القضايا التي تسبب معاناة للمجتمع، فاقتربت بذلك من هموم الناس. أما الآن فإن أغلب الكتاب يبسطون في كتاباتهم همومهم الشخصية بمعزل عن الهموم الجماعية.

* هل تستحضر سيرتك حينما تكتب؟ وإلى أي مدى يمكن للكاتب أن يتنصّل من سيرته الذاتية في كتاباته؟

- قلت سابقا إنني استحضرت سيرتي الذاتية في مناسبتين ولكن من قال إن سيرتي الذاتية تهم الناس؟ قد يكون فيها من الهموم والمعاناة البعض من هموم ومعاناة الآخرين، ولكن ليس بالضرورة. لقد رأيت منذ زمن بعيد أن الابتعاد عن عملية تقديم الكاتب نفسه للناس على أنه

مرجع وقدوة وبطل ونجم هو القرار الصواب. إنني مسكون بقضايا الآخرين ومساراتي الأدبية – جلّها- انبنت على هذا الهاجس لذلك أبحث عن معاناة الآخرين في كل مكان بل إنني أسافر وأستقرّ وأسافر من أجل التقاط المشهد الحقيقي الذي يعبّر عن هموم الآخرين وتطلعاتهم، عن أفراحهم وأحزانهم. قد أكون وفقت في ذلك وقد أكون لا.

* الأدب بحسب "بيسوا" هو البرهان على أن الحياة لا تكفي. فهل أنت من أنصار هذا الرأي؟ وهل يمكن للأدب أن يكون بديلا عن الحياة؟

- أشياء كثيرة تدل على أن الحياة وحدها لا تكفي، الأدب رافد من روافد متعددة منها الغناء والموسيقى والرقص والرسم والشعر والمسرح والرياضة بمختلف أنواعها.

الحياة وجدت في رأيي ناقصة مبتورة قصدا، حتى يملأها الانسان ويطورها ويعيد تشكيلها كلما اقتضت الحاجة بالإبداعات المختلفة. الحضارات والثقافات والأديان طورت الحياة وأعطتها مبرّرا. والأدب لا يستطيع أن يكون بديلا أبدا عن الحياة، إنه رافد من روافدها.

* ما علاقة رواياتك ببعضها البعض؟ وهل تشعر أنك تشيد صرحا وعالما متكاملا ومترابطا فيما بينه من عمل إلى آخر، أم ترى أن لكل عمل استقلاليته التامة؟ ولغة الكاتب – وأسلوبه هل هما نفسهما أم يتغيران من رواية إلى أخرى؟

- العلاقة بين رواياتي يحدّدها النقاد ويحدّدها الدارسون والقراء المواظبون على مطالعة الاصدارات الابداعية..

أما الشعور بأنني أشيد صرحا متكاملا مترابطا فلا، إن المشاعر من هذا النوع مرتبطة بالغرور والأنانية، لكنني أحلم دائما بأن أشيد هذا الصرح، أو البعض منه. أسعى إلى أن أبني عالما أدبيا سرديا أستعرض فيه مختلف أوجه تونس والتونسيين في المراحل الحاسمة، والتغيّرات الاجتماعية والسياسية.

إنك واجد في المنظومة الروائية التي صدرت حتى الآن، تونس في فترة حكم المستنير أحمد باي، وتونس النضال والشهداء سنة 1938، وتونس بداية الاستقلال، وتونس الفترة الاشتراكية، وتونس الانفتاح الاقتصادي، وفترة التسعينات وبداية الألفية الثالثة. إنه حلم الكاتب الذي يسعى لأن تكون له قضية كبرى يكتب من أجلها، ويصارع من أجل الدفاع عنها، مثلما كانت للشهداء قضية.. إنها تونس الوطن وتونس المواطن.

* في هذا العصر المعولم الذي تحكمه الصراعات والحروب، كيف يستطيع الأدب والابداع، عموما أن يساهم في الحوار بين الثقافات والحضارات ونزع فتيل التوتر وتقريب وجهات النظر بين الشعوب؟

- إن دور الأدب محدود جدا في المساهمة في الحوار بين الثقافات والحضارات والأديان حتى مختلف الأنواع الثقافية والفنون تبدو الفرص أمامها شبه معدومة. وإن كان جوهر الآداب والفنون يقوم على الانفتاح في الاتجاهين، وهو جوهر نبيل وانساني.

لكن هذا العالم تحكمه السياسة، والتكتلات الاقتصادية الكبرى، وشركات الانتاج والاستثمار العملاقة ومصانع السلاح، وخطط الاستيلاء على مقدرات الشعوب، وبسط الهيمنة والنفوذ وسلب الدول الأصغر والأضعف قراراتها السيادية. ألم تشاهد في العشريتين الأخيرتين عدد اللقاءات والندوات والمؤتمرات والمحاضرات التي نظمتها المؤسسات المختلفة في العالم العربي والاسلامي لتعزيز دور الثقافة في التقريب بين الشعوب.

إلا أن هذا الزخم من الأعمال الثقافية الجادة قوبل من طرف أغلب الدوائر الغربية بتنظيم حملات مكثفة عبر كل وسائل الاعلام لتشويه صورة الحضارة والثقافة العربية والاسلامية، وتحقير الشعوب ونكران مساهمتها الكبيرة في بناء الحضارة الانسانية. ألم تر أننا نمد أيدينا في كل يوم إلى أمريكا، نتقرب إليها ونحرص على مصالحها بينما هي تحاربنا في كل مكان في العراق وفي سوريا ولبنان وفلسطين.

إن أمريكا صوّرت لها قوتها العسكرية والاقتصادية إنها الإله الأكبر، وأن اسرائيل ابنها المدلل، والغرب رافد من قوتها وجبروتها يساعدها على بسط هيمنتها وجبروتها، والعرب بالنسبة إليها هم الشعب الذي يجب أن يستهدف دائما في ثقافته وهويته واقتصاده وتنميته وثرواته وخياراته مهما أبدى من طاعة وتجاوب وخضوع.

إن استهداف الهوية العربية هو خيار استراتيجي لدى الولايات المتحدة الأمريكية، وغالبا ما يتعزّز هذا الاستهداف بضغط متواصل من اللوبي الصهيوني الذي يكاد يستحوذ على مصادر صنع القرار. سيظل العرب بفئاتهم المختلفة يبسطون أيديهم للحوار، وسيسعون دائما إلى الانفتاح الثقافي فهو خيار استراتيجي لدينا. لكنْ الخياران لا يلتقيان مع الأسف الشديد.

* برزت في الآونة الأخيرة قضية أسالت الكثير من الحبر تتعلق بترجمة الأدب العبري،فهل تعتبر الترجمة من والى اللغة العبرية تطبيعا أم أن هذا يدخل في اطار الحوار الثقافي من باب أعرف عدوك؟

- ترجمة أدبنا العربي إلى العبرية، أو ترجمة الأدب العبري إلى اللغة العربية، قضية مفتعلة للأسباب التالية:

- المشاكل بيننا وبين الصهيونية التي تسيّر شؤون اليهود في فلسطين والعالم مشاكل سياسية واستعمارية بالأساس، فاليهود يحتلون أراضينا ويستولون على مقدساتنا ويطمسون هويتنا الحضارية والثقافية، ويسيئون إلى صورتنا وتاريخنا وحاضرنا وهم مستمرون في سياستهم لا يتوقفون لحظة عنها.

ولا أعتقد أننا سنفهم اليهود أو سيفهموننا من خلال الانتاج القصصي أو الشعري لأنهم يفهموننا جيّدا ونفهمهم جيدا بوسائط أخرى مختلفة. فقد عاشوا بين ظهرانينا في مختلف العصور، تجدهم في كل البلدان العربية تجمعات سكنية متكاملة لهم ما لنا ولنا ما عليهم. كانوا دائما مكرّمين مبجّلين، أجل نفهمهم ويفهموننا. ولكن المسألة تتمثل في القناعات والإرادات. العرب اهتزت قناعاتهم وإرادتهم واخترقت من كل الجهات.

أصبحوا يشكون في قدراتهم وإمكانياتهم وقوتهم واستسلموا للواقع المر، وهو واقع أخطر ما فيه أن ينعكس على الأجيال القادمة فتكون الحال أكثر مرارة وأكثر خطرا. أما اليهود فقناعاتهم ومخططاتهم زادت رسوخا وتجذرا.

إنهم يعرفون عن أدبنا وثقافتنا كل صغيرة وكبيرة، لهم في ذلك مخططات واستراتيجيات متكاملة، ونحن أيضا نعرف عن أدبهم دون السعي إلى ترجمته. إنه مترجم إلى الانجليزية والفرنسية والاسبانية، وكل لغات العالم، وأغلب الطبقات المثقفة عندنا تتقن هذه اللغات.

* إن ما يحتاجه العرب ليس فهم الأدب والحركة الأدبية الصهيونية أو إيصال أدبنا إليهم وإنما التعمّق في الفكر الصهيوني، والإحاطة بكل ثوابته ومنطلقاته وأهدافه، ثم الإحاطة ببرامج المؤسسات الصهيونية داخل اسرائيل وخارجها والقائمة على تقوية وسائل الضغط على العرب للاستسلام الكامل لهيمنتها شعوبا ودولا.

- إن المؤسسات الصهيونية تخصّص مليارات الدولارات للحرب الإعلامية على العرب ووصمهم بالتخلف والارهاب ونعت الحضارة والدين العربيين بأحطّ النعوت وهي تخصص ميزانيات رهيبة لشراء ذمم المثقفين والمؤسسات والدول لمعاداة الأمة العربية. إن الصهيونية تسعى في العالم لتشويه صورة الانسان العربي، بينما نحن لا نفتأ نبسط أيدينا بالمحبة والسلام والحوار وهو موقف نبيل في جوهره لكنه لم يقابل إلا بالإزدراء والاستعلاء.

إن اسرائيل تخصص ميزانية مهولة للبحث العلمي، تفوق ما تخصصه الدول العربية مجتمعة لهذا القطاع الذي تفوق أهميته الانتاج الأدبي مئات المرات، ذلك لأنه يسهم في تعزيز التفوق النوعي لدى اسرائيل ويجعل منها دولة متقدمة مواكبة للنهضة العلمية لدى الدول الكبرى بل وتتجاوزها أحيانا.

- المشكلة أننا أمة استكانت فلن يحرّك سواكنها إلا القرار السياسي والنهضة العلمية والفكرية والاقتصادية والاعتزاز بالأوطان والدفاع عنها، ويأتي الأدب في مرحلة ثانية.
لذا أرجو ألاّ نتحدث عن الأدب حين يتعلق الأمر باسرائيل.

المصدر: العرب أونلاين-عبد المجيد دقنيش

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على الأديب التونسي عبد القادر بن الحاج نصر: الكتابة لعنة قاسية ومدمرة0

حمل تطبيق نور الله
سجل في النشرة الاخبارية في نور الله
الأخبار الأكثر قراءة
خلال 30 أيام
خلال 7 أيام
اليوم
Most Popular Tags
  • عبد القادر بن الحاج نصر
  • ,
  • عبد القادر بلحاج نصر
  • ,
  • تعريف عبد القادر بن الحاج نصر
  • ,
  • تعريف الكاتب عبد القادر بن الحاج نصر
  • ,
  • عبد القادر بالحاج نصر
  • ,
  • عبد القادر الحاج نصر
  • ,
  • الكاتب عبد القادر بن الحاج نصر
  • ,
  • عبد القادر بن حاج نصر
  • ,
  • تعريف الكاتب عبد القادر بالحاج نصر
  • ,
  • تعريف عبد القادر بالحاج نصر
  • ,
  • صورة لعبد القادر حاج نصر
  • ,
  • الكاتب عبد القادر بلحاج نصر
  • ,
  • مساهمة الفن في التقريب و الحوار بين الشعوب
  • ,
  • تعريف عبد القادر بلحاج نصر
  • ,
  • عبد القادر بن الحاج نصر تعريف
  • ,
  • تعريف الكاتب عبد القادر بلحاج نصر
  • ,
  • عبدالقادر بن الحاج نصر
  • ,
  • لعنة الكتابة
  • ,
  • التعريف بالكاتب و مؤلفات عبد القادر بن الحاج نصر
  • ,
  • صور عبد القادر بن الحاج
  • ,
  • الكاتب عبد القادر بالحاج نصر
  • ,
  • الحاج
  • ,
  • yhs-fh_lsonswrow
  • ,
  • عجائب زمن عبد القادر بن الحاج نصر
  • ,
  • المجموعة القصصية لعبد القادر الحاج نصر
  • ,
  • التعريف بالكاتب عبد القادر بن الحاج نصر
  • ,
  • الحياة البدوية التونسية
  • ,
  • عبد القادر بن الحاج
  • ,
  • صور مؤلفات عبد القادر بن الحاج نصر
  • ,
  • عبد القادر بلحاج نصر الأديب التونسي
  • ,
  • الكاتب عبد القادر بن الحاج نص
  • ,
  • تعريف الكتابة
  • ,
  • عجائب زمن لعبد القادر بن الحاج نصر
  • ,
  • صورة للكاتب عبد القادر بلحاج نصر
  • ,
  • التعريف بالكاتب : عبد القادر بن الحاج نصر
  • ,
  • اهم مؤلفات عبد القادر بن الحاج نصر
  • ,
  • لعبد القادر بن الحاج نصر
  • ,
  • عبد القادر بلحاج
  • ,
  • عبد القادر بن حاج
  • ,
  • عبد القادر بن الحاج مصر
  • ,
  • عبد القادر باحاج نصر
  • ,
  • قصص عبد القادر بلحاج نصر
  • ,
  • الاديب عبد القادر بالحاج نصر
  • ,
  • المؤلف عبد القادر بن الحاج نصر
  • ,
  • تعريف حياة الكاتب عبد القادر بن الحاج نصر
  • ,
  • التعريف بالكاتب و مؤلفاته عبد القادر بن الحاج نصر
  • ,
  • عبد القادر بالحاج بن نصر
  • ,
  • تقديم الكاتب عبد القادر الحاج نصر
  • ,
  • اهم الأدباء في تونس
  • ,
  • عبد القادر بن الحاج نصر حياته العلمية
  • ,