ملف وقضيةشهر رمضان (ملف خاص) › مقدمات شهر رمضان

مقدمات شهر رمضان

رمضان شهر معظم عند المسلمين وله في قلوبهم هيبة وإكبار، ولا ريب أن هذا الشعور إنما ينبعث من قلب عرف الإيمان واستقر فيه أصله وصدق بالوعد الحسن الذي وعد به الصالحون، فهو يبتهج لقدوم رمضان ويستبشر بإقباله ويستعد لصيامه وقيامه، راجيا مغفرة الله ورحمته، ومحتسبا ثواب الله وما وعد به الصائمين من مزيد الفضل وكريم النوال، وقد بارك النبي ص هذا الشعور عند المؤمنين وأذكى شعلته في صدورهم فكان ص إذا أقبل رمضان بشر المسلمين بقدومه وحضهم على استقباله بجد واجتهاد ليهيئهم بذلك لاغتنام عطاء الله الواسع في رمضان والتعرض لفيض كرمه في أيامه المباركة، فكان من حديثه في هذا المقام: "تاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه،تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه مردة الشياطين.

وفيه ليلة هي خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرمه".(رواه أحمد)ومن ذلك ـ أيضا ـ قوله ص إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد كل ليلة ياباغي الخير أقبل وياباغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة، (رواه الترمذي).ومثل هذا التبشير والترغيب يحمل المؤمن على إعداد نفسه لرمضان ويستنهضه لاستقباله بحماس يبعثه على المسارعة إلى العمل الصالح والاستكثار الخير في أيامه الفاضلة، لينال حظه من الفضل العظيم الذي يميز الله به عباده الصائمين. فكيف ـ إذن ـ يستقبل المؤمن رمضان؟
إن استقبال هذا الشهر الكريم لا يستوجب تكاليف ثقيلة ولا يستلزم عسيرة، وإنما هي مقدمات ضرورية تسبق كل عمل صالح يريد المسلم أن به ـ فرضا كان أو نفلا ـ عملا بالقاعدة الشرعية التي تقول: لا يجوز لأحد أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه.

ومن أول تلك المقدمات التوبة النصوح ممن كان مسرفا على نفسه في والفسوق وكان مفرطا في جنب الله ومعرضا عن دينه، لا يأتي بفريضة ولا يتقي معصية، فهذا لا يقبل منه صيام ولا يرفع له عمل إذا لم يثنه ورمضان عما كان مقيما عليه من الفواحش والبوائق، مصداقا لقول الله عز وجل:(إنما يتقبل الله من المتقين)، وقول النبي ص: "رب قائم حظه من قيامه السهر، ورب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش". وقوله ص: «جبريل فقال من أدرك رمضان فمات فلم يغفر له فأبعده الله قل آمين آمين» (رواه الطبراني) والتوبة النصوح هي التوبة الصادقة النابعة من قلب خاشع نادم على سوء فعله عاقد العزم على الاستقامة فيما بقي من حياته.

وثانية المقدمات النية الخالصة والعزم الصادق على صيام رمضان وقيامه وما ينبغي فعله فيه من صدقة ومدارسة للقرآن وغيرهما من المطلوبة في رمضان، فالنية الصالحة وتوجه إرادة المؤمن نحو فعل الخير توجب له ثواب ما نواه وإن لم يعمل به لمانع حال بينه وبين العمل، كما دلت على ذلك عدة أحاديث منها أن النبي ص كان في غزاة فقال" إن بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم (وفي رواية إلا شركوكم في الأجر) حبسهم المرض، (رواه مسلم وغيره) ومنها قوله ص فيما يرويه عن ربه عز وجل: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة واحدة... الحديث» (رواه الشيخان) فإذا عزم المؤمن عزما صادقا على صيام رمضان والاجتهاد في الصالحات خلال أيامه ولياليه كتب الله له ثواب عمله الذي عزم على فعله وإن لم يات به بسبب مرض أو سفر أو موت أو هم وغم أقعده عن العمل، ذلك فضل الله يوتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

وثالثة المقدمات العلم بأحكام الصيام وما يبطله وما لا يبطله وما يتعلق به من فضائل وآداب، حتى لا يقع من الصائم ما يفسد صيامه وهو لا يشعر أو يتقي وهو صائم ما لا يبطل الصيام ولا يؤثر فيه فيشدد على نفسه بما لم يكلفه الله به، وهذا واقع أكثر المسلمين فإنهم يتساهلون فيما شدد الله فيه من مفسدات الصيام كاللغو والرفث والكذب والغيبة وغيرها من الفواحش فيتهاونون بها ولا يتقونها في صيامهم، ويتشددون فيما يسر الله فيه وعفا عنه فلم يجعله من مبطلات الصيام، فيتقون الغبار والدخان والكحل والإِدْهان والحقنة والقطرة في العين والأذن والحناء في الرأس معتقدين أنها مفطرات تفسد الصيام. ولو تفقهوا في أحكام الصيام وأخذوا علمه من أهله لصانوا صيامهم وحفظوه من المبطلات، ولما تكلفوا من التكاليف ما يجلب عليهم الشدة والحرج.

ورابعة المقدمات العلم بما لصيام رمضان وقيامه والعمل الصالح فيه وقيام ليلة القدر من الثواب العظيم والأجر الكبير والوعد الحسن الذي وعد به الصائمون والعاملون في رمضان، لأن العلم بذلك كله يدفع المؤمن إلى الاجتهاد في رمضان والإكثار من فعل الخيرات في سائر أيامه ولياليه، ويجعله يرجو ثواب الله وعظيم فضله على ما قدم من الصالحات في هذا الشهر المبارك، ورجاء ثواب الله وطلبه بالعمل أحد الشرطين لاستحقاقه والفوز به كما أفاده قول النبي ص: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقوله ص: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» وكلها أحاديث صحيحة ومعروفة، والاحتساب: طلب ثواب الله ورحمته ورضوانه بالعمل الصالح.

وخامسة المقدمات العلم بأحكام قراءة القرآن وآدابها وحقها؛ فالمسلم في رمضان يقبل على كتاب الله عز وجل قراءة واستماعا، ولقراءة القرآن واستماعه حقوق وأحكام يجب العمل بها ومراعاتها مصداقا لقول الله عز وجل: ( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يومنون به)، وقوله سبحانه ( ورتل القرآن ترتيلا)، ومن قرأ القرآن دون أن يتعلم حقوق القراءة فإنه سيحرف كلام الله عز وجل ويلحن في آياته فتكون قراءته وزرا عليه لا أجرا له، فوجب عليه من أجل ذلك أن يتعلم كيف يقرأ القرآن، وإن لم يفعل فعليه أن يقتصر على ما يحسن قراءته من سور القرآن وآياته ولا يزيد على ذلك حتى لا يسيء إلى نفسه وهو يحسب أنه يحسن صنعا.

تلك هي الخصال التي ينبغي استكمالها ليتم للمسلم استقبال رمضان والاستعداد الصحيح لصيامه وقيامه، وليستوجب من ربه عز وجل ما وعد به من صام رمضان وقامه إيمانا واحتسابا، (وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
عدد المشاهدات: 6119
تاريخ المقال: Sunday, September 6, 2015
حمل تطبيق نور الله
رمضان شهر الصيام
سجل في النشرة الاخبارية في نور الله
عقارات السعودية
إعلن عن عقارك في سمسار السعودية
عقارات السعودية
إعلن عن عقارك في سمسار السعودية