ملف وقضيةالحج والعمرة › تيسير أحكام الحج والعمرة

تيسير أحكام الحج والعمرة

الحمد لله الذي فرض حج بيته المعظم على العباد، أشهد أن لا إله إلا هو إليه المبدأ والمعاد، وأشهد أن محمداً - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً -، عبده ورسوله، المبعوث بالهدى والسداد.

 وبعد:

فإن حج بيت الله الحرام، ركن من أركان الإسلام، من جحده كفر، ومن تركه عمداً متهاوناً فهو ـ إن لم يتداركه الله برحمته ـ لاشك هالك، ومن أخّره بغيـر عذر ـ إذ هو واجب على الفور في أصح قولي العلماء ـ فقد اقتحم المهالك.

وقد عظم النبي - صلى الله عليه سلم - شأنه، فجعله من الجهاد في سبيل الله - تعالى -، وذلك ذروة سنام الإسلام، وبشر الحاج أن يرجعه الله نقياً من الذنوب، وهو إجابة دعوة إبراهيم - عليه السلام -، قال الحق – سبحانه - : وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق... الآية.

وهذا مختصر في تيسر أحكام الحج، يصحبك أيها الحاج من انطلاق نيتك الصالحة لحج بيت الله العتيق، إلى أن ترجع ـ إن اتقيت ربك ـ كيوم ولدتك أمك، فأنت من نار جهنم إن شاء الله عتيق.

وهو مقسم إلى مسائل، مدعم بالدلائل، موضح مفصل، وعسى الله أن يتقبل، وصلى الله على نبينا محمد النبي المبجل، وعلى آله وصحبه القرن المكمل، اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وارزقنا بفضلك إدامة الحج والعمرة، وثبتنا على صراطك المستقيم آميـن.

ابدأ بالإخلاص وإنما الأعمال بالنيات:

يبدأ الحاج أولاً بإخلاص النية لله - تعالى -، امتثالاً لأمره - سبحانه - بأداء الحج، قال - تعالى -: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، إذ هو من أركان الإسلام، وطمعاً في ثوابه العظيم، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) [متفق عليه].

وعنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: (العمرة إلى العمرة، كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) [متفق عليه].

وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: (يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد، فقال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور) [رواه البخاري].

وعنها - رضي الله عنها - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة) [رواه مسلم].

 فتوجه إلى بيت الله الحرام، تعظيماً لشعائر الله - تعالى -، امتثالاً لطاعة الله - تعالى -، رغبة في ثوابه، خوفاً من عقابه، واجتنب الرياء والسمعة، واحذر من طلب المكانة والمنزلة في قلوب المخلوقين، قال - تعالى -: وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى وقال إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً.

النفقة الحلال:

ثم أنفق على رحلة الحج من طيب المال، والكسب الحلال، ذلك أن الله - تعالى - طيب لا يقبل إلا طيباً، ومن حج من مال حرام لم يقبل الله - تعالى - حجه.

اشتراط المحرم للمرأة:

وعلى المرأة أن تجد لها محرماً يرافقها، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم) [متفق عليه]، ويجب أن يكون بالغاً عاقلاً، والمحرم: الزوج أو من يحرم على المرأة على التأبيد، بنسب أو رضاع أو مصاهرة وهم أربعة بالمصاهرة: أبو زوجها، وابنه، وزوج أمها، وزوج ابنتها.

في الميقات:

عند الوصول إلى الميقات، تغتسل و تتطيب في جسدك دون ثياب الإحرام، وتزيل عنك الأظفار والشعر الذي ترغب بإزالته وكل ذلك مستحب غير واجب، ثم تحرم قبل تجاوز الميقات.

ومعنى الإحرام: هو نية الدخول في النسك، وليس المقصود به هو التجرد من المخيط (والمخيط كل ثوب مفصل على قدر أعضاء الجسد مثل القميص والفانيلة والبنطلون ونحو ذلك مما فصل على قدر الأعضاء، وليس المقصود بالمخيط ما فيه خيط)، بل لبس المخيط من محظورات الإحرام، ولهذا يجب على الحاج أن لا ينوي الإحرام ـ الدخول في النسك ـ إلا بعد أن يتجرد من الثياب، ولو نوى الحاج الدخول في النسك ناسياً أن يتجرد من كل الثياب، (مثلاً نسي سروايله ولم ينزعها) ولبس الإزار والرداء، ثم نوى الدخول في النسك، فإنه يصح دخوله في النسك، ثم عليه أن ينزع عنه ما نسي أن يزيله، ولا شيء عليه إن كان ناسياً، والمقصود أنه يجب التفريق بين الإحرام وهو نية الدخول في النسك والتجرد من المخيط.

أنواع الأنساك:

ثم تقول عند نية النسك: لبيك اللهم بعمرة، أو بحج، أو بعمرة وحج، وفق النسك الذي تختاره، وهي ثلاثة أنواع:

أحدها: التمتع وهو أفضلها، وهو الذي تقول فيه: "لبيك اللهم بعمرة"، وصفته أنك تأتي بعمرة كاملة وتتحلل منها، تماماً كما لو ذهبت إلى عمرة في غير أشهر الحج، ثم تبقى غير محرم، حتى إذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة، تحرم بالحج وتذهب إلى منى، وعلى المتمتع ـ إن كان من غير حاضري المسجد الحرام أي من غير ساكني مكة أو حدود الحرم ـ أن يذبح هدياً كما سيأتي بيانه.

 والثاني: الإفراد، وهو الذي تقول فيه:"لبيك اللهم بحج"، وهو أن تنوي الحج مفرداً ليس معه عمرة، وفي هذه الحالة تبقى على إحرامك حتى تتحلل يوم النحر كما سيأتي بيانه.

والثالث القران: وهو الذي تقول فيه:" لبيك اللهم بعمرة وحج"، ولا فرق بين الإفراد والقران في أعمال الحج، وإنما يفترقان في أمرين:

أحدهما: النية، فالقارن ينوى الحج مع العمرة، إن طاف نوى أن يكون طوافه طواف حج وفي نفس الوقت هو طواف عمرة، وإن سعى نوى بسعيه سعي حج وهو في نفس الوقت سعي عمرة، كما ينوي داخل المسجد تحيته وركعتي الفجر في نفس الوقت على سبيل المثال.

الثاني: أن القارن عليه هدي، والمفرد لاهدي عليه.

فإن اخترت أحد هذه الأنساك، ولبيت به، فإن كنت مريضاً أو تخشى من حدوث طارئ يمنعك من إتمام الحج، فاشترط قائلاً: (لبيك اللهم بعمرة ـ أو حج أو عمرة وحج ـ ومحلي حيث حبستني) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: لضباعة بنت الزبير:(حجي واشترطي وقولي: اللهم إن محلي حيث حبستني) [متفق عليه].

وفائدة هذا الشرط أنك إذا حال بينك وبين إتمام الحج عذر شرعي خارج عن إرادتك، مثل: مرض أقعدك عن إتمام الحج، أو حادث سيارة على سبيل المثال، أو منعك مانع من إتمامه بعدما دخلت في الإحرام، فإنك تتحلل من إحرامك وتلبس ثيابك ولاشيء عليك، وترجع إلى بلدك، حتى يتيسر لك الحج مرة أخرى.

والدليل على أن الحاج مخير بين الأنساك الثلاثة قول عائشة - رضي الله عنها -: (فمنا من أهَـلَّ بعمرة ومنا من أهل بحج ومنا من أهل بهما) [متفق عليه].

والدليل على أفضلية التمتع أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه بذلك، وقوله: (لولا أني سقت الهدي لفعلت مثل ما آمرُكم به) [متفق عليه من حديث جابر رضي الله عنهما].

وكان - صلى الله عليه وسلم - قارناً، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:(أتاني آت من ربي، فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرةٌ في حجة) [رواه أحمد والبخاري وغيرهما]. وذلك أنه كان قد ساق الهدي معه ـ أي جاء به معه من خارج الحرم، والهدي هي الأنعام التي تجلب للحرم، سميت بذلك لأنها تُـهدى إلى الحرم لفقرائه ـ فمنعه ذلك من أن يكون متمتعاً، وكذلك يستحب لمن جاء بهديه من خارج الحرم أن يكون قارناً.

والأفضل لمن حج مفرداً أو قارناً أن يتحلل بعد طواف القدوم والسعي وينوي أن ما فعله عمرة، ويتحول إلى التمتع لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه بذلك [متفق عليه].

هل للإحرام صلاة مخصوصة؟:

ولم يرد دليل على استحباب ركعتين للإحرام بخصوصه، إلا أن يصلى المحرم نافلة أخرى وافقته بعد إحرامه أو قبله، أو يحرم بعد صلاة الفريضة إن أدركته كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فذلك حسن.

محظورات الإحرام:

وعليك أن تتجنب محظورات الإحرام، حتى تتحلل من إحرامك.

وهي تسعة محظورات يجب على المحرم بحج أو عمرة أن يتجنبها:

أولاً: تعمد لبس المخيط بالنسبة للرجل ـ وقلنا إن المخيط هو كل ما فصل على قدر أعضاء الجسد من الثياب، وليس هو ما فيه خيط - لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة، ولا البرنس ولا السراويل ولا ثوباً مسه ورس ولا زعفران) [متفق عليه]، ويدخل في المخيط، لبس الخفين أو الجوربين فلا يجوز ذلك للمحرم، إلا إن لا يجد نعلين، فيجوز له أن يلبس الخفين، لحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب بعرفات: (من لم يجد إزاراً فليلبس سراويل ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين) [متفق عليه].

ولا بأس أن يلبس المحرم النظارة والساعة والحزام الذي يشد به إزاره ويحفظ فيه نفقته ولو كان فيه خيوط، ولا بأس أن يلبس نعلين فيهما خيوط، أو يكون طرف ردائه أو إزاره مخيط، كل ذلك جائز.

ثانياً: تغطية الرأس من الرجل، ولا بأس أن يستظل بخيمة أو مظلة (شمسية) أو سقف السيارة ونحو ذلك، لحديث أم الحصين قالت:(حججنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالاً أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم - والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة) [رواه أحمد ومسلم].

و تغطية الوجه للأنثى، ولكن تسدل على وجهها لحاجة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين) [متفق عليه]، وعن عائشة - رضي الله عنها -: (كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محرمات فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه) [رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة].

ثالثاً: قصد شم الطيب ومسه واستعماله في أكل وشرب بحيث يظهر ريحه، ولا بأس أن يتطيب قبل الإحرام في بدنه دون ثيابه، حتى لو استمر هذا الطيب إلى بعد الإحرام، فذلك جائز، لأنه وضع الطيب قبل الإحرام لا بعده، لحديث عائشة - رضي الله عنها - وعن أبيها قالت: (كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أيام وهو محرم) [متفق عليه].

رابعاً: إزالة الشعر من البدن عمداً، ولا بأس إن سقط شيء من الشعر بغير قصد بسبب الامتشاط أو الاستحمام ونحو ذلك، ويجوز للمحرم أن يستحم بالماء والصابون الذي لا يكون فيه عطر، فقد روى أبو أيوب الأنصاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - غسل رأسه وهو محرم وحرك رأسه بيديه فاقبل بهما وأدبر [متفق عليه]، ويجوز له أن يبدل ثياب الإحرام التي أحرم فيها أولاً، بأخرى نظيفة ليس فيها طيب، كل ذلك جائز.

ويجوز للمحرم أن يحلق رأسه لعذر، أو يلبس ثوباً لعذر مرض أو نحوه، وعليه أن يفدي في هذه الحالة، وذلك بأن يذبح شاة لفقراء الحرم، أو يطعم ستة مساكين من مساكين الحرم لكل مسكين مُـدٌ من بُـرٍ أو نصف صاع من غيره، أو يصوم ثلاثة أيام ولا يشترط أن يكون الصيام في الحرم.

خامساً: تقليم الأظافر، فإن انكسر الظفر فلا بأس بإزالته.

سادساً: صيد البر الوحشي المأكول، ومعنى الوحشي أي غير الأليف، والأليف مثل الدجاج والمعز والضأن والبقر والإبل، والوحشي مثل الغزال وحمار الوحش والأرنب، ويجوز صيد البحر.

سابعاً: عقد النكاح ولا يصح، وكذلك الخطبة فلا تجوز في أثناء الإحرام.

ثامناً: الوطء في الفرج.

تاسعاً: دواعي الجماع، والمباشرة دون الفرج، والاستمناء.

فإن وقع المحرم بشيء من محظورات الإحرام ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه، وإن فعل شيئاً من ذلك عامداً، ففيه الفدية وهي التخيير بين إطعام ستة مساكين من مساكين الحرم، لكل مسكين مد من البر (القمح) أو نصف صاع من غير البر، أو ذبح شاة لمساكين الحرم، أو صيام ثلاثة أيام في أي مكان.

ويستنثى من ذلك ثلاثة أشياء:

أحدها: الصيد ففيه جزاء الصيد، سواء تعمد صيده أم لا.

والثاني: الجماع في الفرج ففيه تفصيل سيأتي لاحقاً إن شاء الله - تعالى - .

والثالث: عقد النكاح أو الخطبة فليس فيهمـا فدية مع أنهما من محظورات الإحرام.

التلبية:

ثم تنطلق إلى المسجد الحرام، ملبياً من أول دخولك الإحرام و أثناء الطريق قائلاً: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) كذا روى التلبية عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - في الصحيحين.

يرفع الرجل صوته، لحديث السائب بن خلاد قال - صلى الله عليه وسلم -: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية) [رواه الخمسة].

وتخفض المرأة صوتها، واحرص أن تردد هذه التلبية على قدر استطاعتك وجهدك، فذلك من أفضل أعمال الحج، قال - صلى الله عليه وسلم -: (أفضل الحج العج والثج) [رواه الترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، والعج أي رفع الصوت بالتلبية].

دخول المسجد الحرام:

فإذا وصلت البيت أي الكعبة، فيستحب لك أن يكون أول شيء تفعله عند دخول المسجد الحرام، أن تقول دعاء دخول المسجد: (اللهم صل على محمد، اللهم افتح لي أبواب رحمتك)، ثم تتجه إلى الحجر الأسود للطواف.

ولم تصح الأحاديث التي فيها رفع اليدين عند رؤية البيت، وكذا لم يصح في ذلك دعاء مخصوص، غير دعاء دخول المسجد.

الطواف:

أولاً: ويشترط أن تكون حال الطواف ساتراً للعورة، طاهر الثياب والبدن، ويشترط له الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر، وذلك كله عند جمهور العلماء، واحتجوا بحديث: (إن الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه) [رواه الترمذي وغيره]، وبحديث عائشة - رضي الله عنها -: (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) [متفق عليه].

ثانياً: وإن كنت متمتعاً، فإنك تنوي بطوافك أنه طواف عمرة.

وإن كنت قارناً نويت أنه طواف القدوم، على أن تطوف طواف العمرة والحج، بعدما تأتي من مزدلفة يوم النحر، ويجوز لك أن تسعى بعد طواف القدوم هذا، وتنوي به أنه سعي عمرتك وسعي حجك في نفس الوقت، وتكون في هذه الحالة قد قدمت سعي العمرة والحج على طوافهما الذي ستفعله يوم النحر، ويجوز لك أن تؤجل السعي إلى يوم النحر عندما تطوف طواف عمرتك الذي تنوي به أيضاً أنه طواف حجك، فتسعى بعد ذلك سعي عمرتك الذي هو سعي حج، وبذلك تقرن أفعال العمرة بالحج.

وأما إن كنت مفرداً فإنك تنوي أنه طواف القدوم فقط، ويجوز لك أيضاً أن تقدم سعي الحج فتسعى بعد طواف القدوم، ولا يكون عليك سعي أخر إذا طفت طواف الحج يوم النحر، كما سيأتي بيان ذلك.

فإن طفت و لم تنو شيئاً نسياناً أو جهلاً، فلاشيء عليك وطوافك صحيح.

ثالثاً: و معنى الطواف ببيت الله - تعالى -، إظهار عظيم حبك له إذ تعلق قلبك بمحبته حتى قادتك تلك المحبة العظيمة إلى التطواف حول بيته مراراً في صورة الإلحاح عليه، من أجل أن يقبلك في حضرته، ويقربك من محبته، ويتجاوز عن تقصيرك في حقه، وكلما استحضرت هذا المعنى الجليل، كان ثوابك أعظم عند الله - تعالى - .

رابعاً: وتكون مضطبعاً في هذا الطواف استحباباً، ومعنى الاضطباع أي تجعل وسط ردائك تحت عاتقك الأيمن، وطرفيه على عاتقك الأيسر، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليس كل طواف فيه اضطباع، وإنما طواف العمرة وطواف القدوم للحج، وأما طواف الإفاضة فحتى لو طافه الحاج وهو محرم، لا يكون فيه اضطباع، ويستمر الاضطباع إلى آخر الطواف.

عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى) [رواه أبو داود وغيره].

خامساً: ويستحب هنا أن يرمل الطائف أول ثلاثة أشواط، والرمل هو الإسراع مع مقاربة الخطى، ويكون الرمل في كل طواف فيه اضطباع، ولا يكون في طواف ليس فيه اضطباع، وقد قال جابر - رضي الله عنهما - في وصف حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -: (حتى أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً) [رواه مسلم].

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثاً ومشى أربعاً) [متفق عليه]، والطواف الأول هو القدوم، وخب أي رمل.

سادساً: ويجب أن تطوف سبعة أشواط كاملة لا تسقط منها خطوة، تبدأ من الحجر الأسود وتنتهي بالحجر الأسود، وتجعل البيت على يسارك، واحذر أن تطوف وأنت مستقبل البيت أو جاعله عن يمينك ترجع القهقرى، وحتى لو كنت محمولاً.. فإنه يجب أن تجعل البيت عن يسارك.

سابعاً: فإن شككت في عدد الأشواط، تعمل بغالب الظن ولاشيء عليك، فإن لم يكن لديك ظن غالب، واستوى الطرفان، فاجعل العدد هو الأقل، لأنه المتيقن، مثلاً شككت هل طفت ثلاثة أشواط أو أربعة، فاجعلها ثلاثة، فإن جاءك الشك بعد انتهاء الطواف، فلا تلتفت إليه لأن الشك بعد العبادة لا يلتفت إليه مادام مجرد شك.

ثامناً: وعندما تبدأ من الحجر الأسود تحاذيه ببدنك، ثم تستلمه و تقبله إن استطعت، أو تستلمه و تقبل يدك، فإن لم تستطع لشدة الزحام، تشير إليه بيدك ولا تقبل يدك في حالة الإشارة، وتكون الإشارة باليد اليمنى، تستقبل الحجر وتشير بيدك اليمنى قائلاً: الله أكبر، وتفعل ذلك كله وفق هذا الترتيب كلما حاذيت الحجر الأسود في أثناء طوافك، وذلك إن تيسر لك، ولا تزاحم الناس فتؤذيهم.

تاسعاً: ويستحب استلام الركن اليماني باليد، فإن لم تستطع فلا تشير إليه من بعيد، ولم يرد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال شيئاً عند استلامه، ويستحب أن تقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: (ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) وأن تكثر من ذكر الله - تعالى - والاستغفار والدعاء في أثناء الطواف.

عاشراً: واحذر أن تطوف من داخل الحجر، وهو الجزء الذي حوله حاجز رخامي يشبه شكل الهلال خلف أحد جدران الكعبة، بل يجب أن تكمل طوافك من وراءه، لأنك لو أكملت الطواف من داخله، فكأنك دخلت الكعبة في جزء من طوافك، ولم تطف حولها، ويجب على من فعل ذلك إعادة الطواف.

حادي عشر: وإذا أقيمت الصلاة وأنت تطوف، أو حضرت جنازة، أو أردت شرب الماء، ونحو ذلك فإنك تتم الطواف بعد ذلك من حيث وقفت، إلا إذا أطلت الفصل بين الأشواط، فإن فعلت فابدأ من جديد، لان الموالاة بين أشواط الطواف شرط في صحته، وكذا إذا انتقض وضوءك في أثناء الطواف فيجب عليك أن تعيده من جديد، إذا قلنا بأن الوضوء شرط لصحة الطواف، وهو الأحوط.

ثاني عشر: وبعد انتهاء الطواف، ينتهي الاضطباع، كما ينتهي الرمل بنهاية الشوط الثالث من الطواف، و يستحب للطائف بعد نهاية الشوط السابع أن يتوجه إلى مقام إبراهيم - عليه السلام - ويقول: واتخِذوا من مقام إبراهيم مصلىً ثم يصلي ركعتين، ويستحب أن يقرأ فيهما سورة الكافرون: قل يا أيها الكافرون في الركعة الأولى، وسورة الإخلاص: قل هو الله أحد في الركعة الثانية، والأفضل أن يصليهما خلف مقام إبراهيم - عليه السلام -، فإن لم يتيسر ذلك لشدة الزحام، ففي أي موضع من المسجد الحرام.

ثالث عشر: ويستحب للطائف الوقوف بالملتزم وهو ما بين الحجر والباب، فيجعل خده وصدره على حائط الكعبة في ذلك الموضع الشريف، ويدعو الله - تعالى - .

رابع عشر: ويستحب إذا أردت أن تسعى بعد ذلك أن تعود إلى الحجر فتستلمه إن استطعت قبل أن تنطلق إلى المسعى.

خامس عشر: وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه بعدما أنهى طوافه في حجته ذهب إلى زمزم فشرب منها وصب على رأسه ثم رجع إلى الركن فاستلمه [رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه].

شرب ماء زمزم:

والدعاء عند شرب زمزم مستحب ومستجاب قال - صلى الله عليه وسلم -: (ماء زمزم لما شرب له) [رواه أحمد وابن ماجة من حديث جابر رضي الله عنه].

السعي بين الصفا و المروة:

تتوجه بعد ذلك إلى الصفا، لتسعى بين الصفا والمروة.

ويجوز لك إن كنت قارناً أو مفرداً أن تعجل السعي بعد طوافك طواف القدوم، فإذا كنت قارناً سيكون هذا السعي المعجل هو سعي حجك وعمرتك اللتين ستطوف طوافهما يوم النحر، وإن كنت مفرداً يكون سعي حجك الذي ستطوف طوافه يوم النحر أيضاً، وهذا أيسر عليك لأنك ربما تكون مرهقاً يوم النحر بعد وقوفك بعرفة وبياتك بمزدلفة، فتكتفي بالطواف في هذه الحالة لأنك قدمت السعي عند قدومك، ويجوز لك أيضاً أن تؤجل السعي إلى ما بعد طواف الإفاضة يوم النحر، فتسعى بعده سعي حجك وعمرتك إن كنت قارناً، وسعي حجك إن كنت مفرداً.

مسائل السعي:

أولاً: إن كنت متمتعاً، أي تريد أن تعتمر ثم تحج بعد التحلل من عمرتك، فهذا السعي هو سعي عمرتك، وإن كنت قارناً أو مفرداً فهذا السعي تنوي به أنه سعي حجك وعمرتك إن كنت قارناً، وسعي حجك إن كنت مفرداً، هذا إذا أردت أن تقدم السعي، ويجوز لك تأخيره كما أسلفنا.

ثانياً: تبدأ من الصفا، فإذا دنوت من الصفا يستحب لك أن تتلو قوله - تعالى -: إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم وتقول: أبدأ بما بدأ الله به، وترقى الصفا حتى ترى الكعبة إن استطعت، فإن لم تستطع ذلك، فالواجب أن تضع قدمك عند أول الارتفاع إلى الصفا، لتكون بدايتك من أول الصفا، لأن قطع كل المسافة بين الصفا والمروة واجب لا يصح السعي إلا به.

ثالثاً: فإذا رقيت على الصفا فاستقبل الكعبة، وارفع يديك للدعاء، وابدأ قائلاً: " الله أكبر" ثلاث مرات، ثم تقول: " لا إله إلا الله وحده لاشريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لاشريك له، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده "، ثم ادع الله بما شئت من خير الدنيا والآخرة، ثم أعد هذا كله ثلاث مرات، ويستحب أن تطيل في الدعاء، فإنه موضع أطال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - الدعاء.

رابعاً: فإذا فرغت من الدعاء فانزل ماشياً، إلى أن تصل إلى العلم الأول، وقد وضع لذلك إشارة خضراء، فإن بلغته فيستحب لك أن تسعى سعياً شديداً، حتى تصل إلى العلم الثاني، وقد وضع لذلك أيضاً إشارة خضراء، ثم تمشي بعد ذلك، حتى ترقى على المروة، فتفعل على المروة مثل ما فعلت على الصفا، فإن لم تستطع ذلك، فالواجب أن تنتهي عند أول ارتفاع من الأرض على المروة، من أجل أن تكون قد قطعت كل المسافة بين الصفا والمروة.

وتستطيع أن تستدل على مقدار المسافة التي يجب قطعها بين الصفا والمروة، بممر العربات، فعند انتهاءه تنتهي المسافة الواجب قطعها، ولكن يستحب أن ترقى على الصفا والمروة كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -.

خامساً: ويجب أن تسعى سبعة أشواط، و تكون البداية من الصفا والنهاية عند المروة، فالمسافة بينهما شوط واحد، حتى إذا انتهيت من آخر شوط على المروة، فقد أتممت السعي.

سادساً: ويستحب لك أن تكون في أثناء السعي ذاكراً لله - تعالى - بأنواع الذكر من قراءة القرآن والاستغفار والتسبيح والتهليل، كما يستحب الوضوء ولا يجب، فإن كنت غير متوضأ جاز لك أن تسعى من غير وضوء.

سابعاً: ولا تجب الموالاة بين أشواط السعي، فيجوز لك أن شعرت بتعب، أن تستريح ثم تعود فتكمل على ما سبق، حتى لو طال الفصل، فلا بأس بذلك.

ثامناً: كما لا تجب الموالاة بين الطواف والسعي، فيجوز لك بعد الطواف أن تستريح إن احتجت إلى ذلك، ثم تعود إلى السعي بعد ذلك.

الحلق والتقصير:

بعد ذلك يجب عليك إن كان حجك حج تمتع أن تقصر من شعرك، وذلك بأن تقص من جميع الشعر لا من أطرافه كما يفعل الجهال، والحلق أفضل ولكن لأنك سوف تحلق رأسك عند التحلل من حجك، فالأفضل هنا أن تقصر فقط إلا إن كنت قدمت مبكراً في شهر شوال مثلاً فالحلق أفضل، لأن شعر رأسك سيتوفر إلى العاشر من ذي الحجة.

أما إن كنت قارناً أو مفرداً للحج، فلا تقصر ولا تحلق، لأنه يجب عليك أن تبقى على إحرامك حتى تتحلل من الحج في يوم النحر.

والمرأة تقص من طرف شعرها قدر أنملة.

قطع التلبية للمعتمر والحاج:

وإن كنت متمتعاً فإنك تقطع التلبية إذا شرعت في الطواف، وأما إن كنت قارناً أو مفرداً فإن التلبية لا تنقطع إلا برمي جمرة العقبة يوم النحر.

التوجه إلى منى يوم التروية:

إذا جاء يوم الثامن من ذي الحج، وهو يوم التروية، سمي بذلك لأن الناس كانوا يتروون الماء في ذلك اليوم، لحاجتهم إلى الماء في منى والمشاعر، إذا جاء هذا اليوم تحرم قبل الزوال بالحج من أي مكان من الحرم أنت نازل فيه.

وأما إن كنت قارناً أو مفرداً فإنك لم تزل على إحرامك، ثم تتوجه إلى منى فتصلي فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، تقصر الصلاة الرباعيـة ـ إن كنت ممن يقصر الصلاة ـ والأفضل أن تصلي كل فرض لوقته بلا جمع، وتبيت بمنى ليلة عرفة، وهذا المبيت سنة ليس بواجب، وقد فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -.

من أين يحرم الحاج والمعتمر في مكة؟

والحاج يحرم بالحج من أي مكان من مكة، فقد أحرم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من منزلهم الذي نزلوه في مكة وهو الأبطح، [متفق عليه]، وأما المعتمر فيحرم من أدنى الحل، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بعائشة - رضي الله عنها - إلى أدنى الحل لتحرم بالعمرة [متفق عليه]، وسواء كان الحاج والمعتمر من أهل مكة أو جاء إليها من خارجها.

إلى عرفة:

ثم الأفضل أن تصلي الفجر في منى بعد البيات فيها، وتبقى حتى تطلع الشمس، ثم تسير من منى إلى عرفة بعد طلوع الشمس، ويسن لك أن تنزل بنمرة وهو موضع بجانب عرفة، حتى إذا زالت الشمس، تدخل إلى عرفة، وتسمع خطبة الإمام، وتصلي الظهر والعصر قصراً وجمع تقديم، وتبقى في عرفة إلى الغروب، يستحب لك في أثناء ذلك أن تكثر من الدعاء والتلبية وذكر الله - تعالى - .

 وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال - صلى الله عليه وسلم -: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) [رواه أحمد والترمذي].

والوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم، من فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج قال - صلى الله عليه وسلم -: (الحج عرفة من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جَمْعٍ فقد تم حجه) [رواه أبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم].

القدر الواجب من الوقوف بعرفة:

ويجب على كل حاج أن يقف بعرفة أي وقت من النهار أو الليل من أول طلوع فجر يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر، فمن فاته دخول عرفة في أثناء ذلك ولو للحظة فقد فاته الحج، ومن وقف بها ولو مروراً، فقد أدرك الحج، ولكن من دخلها من النهار يجب عليه أن يجمع مع ذلك جزءاً من الليل ولو لحظة، فيخرج عند غروب الشمس لا قبلها، فإن خرج من عرفة قبل الغروب يجب عليه أن يعود فيبقى إلى الغروب، فإن لم يفعل صح حجه ولكن عليه دم شاة يذبحها بمكة في حدود الحرم لفقرائه، وذلك لتركه الواجب، وإن لم يتيسر له الوقوف إلا ليلاً أجزأه ذلك ولا شيء عليه.

عن عروة بن مضرس قال: (أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبل طيء، أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه وقضى تفثه) [رواه الخمسة].

ويجب أن يكون مسلماً عاقلاً محرماً ولو كان نائماً أو جاهلاً أنها عرفة.

وفي أي مكان وقفت من عرفة أجزأك، والوقوف عند جبل الرحمة ليس واجباً، كما يظنه الجهال، ويتزاحمون عليه، يظنون أن في ركوبه أجر، فيشقون على أنفسهم بغير طائل، بل في أي مكان وقفت من عرفة فقد أجزأ، قال - صلى الله عليه وسلم -: (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف) [رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنهما].

إلى مزدلفة:

فإذا غربت الشمس، ادفع إلى مزدلفة وعليك بالسكينة، فإذا وصلتها اجمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أول شيء فعله في مزدلفة جمع صلاتي المغرب والعشاء، ثم عليك أن تبيت بها وتصلي فيها الفجر، حتى لو تأخرت فلم تصل إليها إلا فجراً بسبب زحمة الطريق، فعليك أن تصلي فيها الفجر، ولاشيء عليك في هذه الحالة، لأنك معذور، فإذا صليت الفجر، استحب لك أن تذهب إلى المشعر الحرام ـ مرتفع صغير في مزدلفة ـ وأن تبقى ذاكراً لله - تعالى - حتى يسفر الوقت جداً، هكذا فعل - صلى الله عليه وسلم - كما روى مسلم عن جابر رضي الله عنه، فإن لم يتيسر لك الذهاب إلى المشعر الحرام، فاذكر الله - تعالى - وادعه في مكانك الذي أنت فيه من مزدلفة، ويستحب أن تذكر الله حتى يسفر الصبح جداً، وتدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس، عن عمر - رضي الله عنه -: (كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثبير فخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فأفاض قبل طلوع الشمس) [رواه الجماعة إلا مسلماً].

ثم تخرج من مزدلفـة إلى منى.

ويجوز لك أن تدفع من مزدلفة إلى منى بعد منتصف الليل إن كنت من الضعفاء، كالمرضى الصغار وكبار السن والنساء وأهل الأعذار، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: (كنت فيمن قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى) [متفق عليه].

 وعن عائشة قالت (كانت سودة امرأة ضخمة ثبطة (بطيئة الحركة) فاستأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تفيض من جمع بليل فأذن لها) [متفق عليه]

إلى منى لرمي جمرة العقبة:

ثم تدفع من مزدلفة إلى منى، متوجهاً إلى جمرة العقبة، فإن كان طريقك من وادي محسر، وهو واد بين مزدلفة ومنى استحب لك أن تسرع السير، غير أن هذا لا يتيسر الآن بسبب زحمة السيارات، فإذا وصلت إلى جمرة العقبة، فارمها بسبع حصيات، يجب عليك أن تسقط كل حصاة في الحوض رمياً ـ لا وضعاً باليد ـ، ولا يجب أن تصيب الشاخص، كما يظن ذلك الجهال، يرمون الشاخص حتى تضربه الحصاة، فترتد بعيداً عن الحوض، ومثل هذا لا يصح ولا يجزيء، لأن الشاخص إنما وضع لتستدل به على الحوض فقط، وليس ليكون هدفاً للرمـي.

ويجب أن تنتبه إلى أن حوض جمرة العقبة إنما هو من جهة واحدة فقط، فاحذر أن يكون رميك الحصى من الجهة الأخرى التي وضع لها حائط إسمنتي كبير، بل من الجهة التي فيها الحوض فقط، فترمي الحصى حتى تسقط في الحوض.

ويستحب أن تكبر مع كل رمية.

وجميع الحاج يوقف التلبية عندما يرمي جمرة العقبة.

عن الفضل بن عباس - رضي الله عنهما -: (كنت رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - من جمع إلى منى فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة) [رواه الجماعة].

ولك أن تلتقط الحصى من أي مكان، حتى من منى، ولم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئاً في تحديد مكان دون غيره يستحب أن يلقط فيه الحصى.

وتكون الحصى بين الحمص والبندق، قال جابر - رضي الله عنه -: (مثل حصى الخذف) [رواه مسلم]، ولا يجزيء غير الحصى كالحديد وغيره.

وأفضل وقت الرمي بعد طلوع الشمس ضحى، ويجوز بعد الفجر، ولا يجوز قبله، إلا للضعفاء وأهل الأعذار الذين دفعوا من مزدلفة بعد منتصف الليل، ومن يقوم على أمرهم له حكمهم، فيجوز لهم أن يرموا عند وصولهم ولو قبل الفجر، لحديث عائشة قالت: أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم أفاضت، [رواه أبو داود وغيره].

والأولى أن لا يرموا إلا بعد طلوع الشمس أيضاً فعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (قدمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على جمرات، فجعل يلطخ أفخاذنا، ويقول: أبني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس) [رواه أبو داود والنسائي].

أعمال يوم النحر، يوم الحج الأكبر:

ثم بعد ذلك تنحر هديك إن كان عليك هدي بأن كنت متمتعاً أو قارناً، أما المفرد فلا هدي عليه، ووقت النحر يمتد إلى آخر أيام التشريق، ويجب أن يكون في حدود الحرم، فلا يجوز نحر الهدي في عرفة مثلاً أو أي مكان من الحل، ويجوز ليلاً أو نهاراً من أيام التشريق، وليس له أثر في تحلل الحاج. ومن لا يقدر على شراء الهدي، يصوم ثلاثة أيام في الحج، قبل يوم النحر أو في أيام التشريق، ولا يجوز لأحد أن يصوم أيام التشريق إلا من لم يجد الهدي من الحجاج، ويصوم سبعة إذا رجع إلى أهله.

ولا يجزئ في الهدي إلا الجذع من الضأن وهو ماله ستة شهور فأكثر، والثني من المعز والبقر والإبل، وهو من المعز ما له سنة فأكثر، ومن البقر وهو ما له سنتان فأكثر، ومن الإبل وهو ما له خمس سنوات فأكثر، وتجزيء البقرة والبدنة عن سبعة.

 ثم تحلق أو تقصر من شعرك والحلق أفضل، والمرأة تقص من طرف شعرها قدر أنملة، وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - للمحلقين قائلاً:" رحم الله المحلقين" ثلاثاً "وللمقصرين" مرة [متفق عليه].

والأفضل أن يبدأ المحلق من جانب الرأس الأيمن ثم الأيسر [رواه مسلم من حديث أنس - رضي الله عنه -].

 ثم تنطلق إلى البيت لتطوف طواف الإفاضة، وهو طواف الحج، ويسمى أيضاً طواف الزيارة، وليس في هذا الطواف اضطباع ولا رمل.

 وبعد الطواف تسعى بين الصفا والمروة إن كنت متمتعاً، أو كنت قارناً أو مفرداً ولم تسع بعد طواف القدوم، فيجب عليك أن تسعى هنا، فالمتمتع يسعى سعين، سعي لعمرته وسعي لحجه، وأما القارن والمفرد فيسعيان سعياً واحداً، لحديث عائشة - رضي الله عنها -: (وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فقد طافوا طوافاً واحداً) تعني الطواف بين الصفا والمروة وهو السعي، [متفق عليه].

ويجوز لأهل الأعذار أن يطوفوا بعدما يدفعوا من مزدلفة بعد منتصف الليل. ويجوز لك أن تأخر طواف الإفاضة إلى آخر شهر ذي الحجة إن شئت، ولكنك في هذه الحالة لا تكون قد تحللت الحل كله، بل يجب عليك أن تعتزل النساء حتى تطوف طواف الإفاضة.

ويجوز لك أن تقدم أو تأخر بين هذه الأنساك، إذ لا يجب فيه الترتيب كما ذكر آنفاً، بل الترتيب مستحب. فعن ابن عباس - رضي الله عنها - قال إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير، فقال: لا حرج [متفق عليه].

وأما النبي - صلى الله عليه وسلم - فرمى أولاً جمرة العقبة بعد طلوع الشمس ضحى، ثم نحر هديه، ثم حلق رأسه، ثم طاف بالبيت وصلى الظهر بمكة، ثم رجع منى فصلى بها الظهر مرة أخرى أيضاً نافلة.

وعن ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى) [متفق عليه]، وفي حديث جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - انصرف إلى المنحر فنحر ثم ركب فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر [رواه مسلم]، وجمع بينهما الإمام النووي - رحمه الله - أنه صلى بمكة الظهر، ثم رجع فصلى الظهر إماماً لأصحابه في منى أيضاً.

التحلل الأكبر والأصغر:

وإذا فعلت اثنين من هذه الثلاثة وهي رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة، فقد حل لك كل شيء إلا النساء، ويسمى التحلل الأصغر.

فإن فعلت ما بقي مع السعي إن لم تكن قد سعيت من قبل، فقد حل لك كل شيء حتى النساء، ويسمى التحلل الثاني أو الأكبر.

ويتوجه القول بأن الحاج إذا رمى جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء، وهو أصح قولي الفقهاء، لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي حين رمى جمرة العقبة يوم النحر قبل أن يطوف بالبيت [رواه أحمد وغيره]، وهو رواية في مذهب أحمد، واختيار الإمام ابن قدامة - رحمه الله -، وسمعت العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - يفتي بذلك.

إذا جامع المحرم:

ومن جامع قبل التحلل الأول فعليه أربعة أمور:

الأول: فساد النسك.

الثاني: المضي في فاسده، فيكمل حجه كأنه غير فاسد.

الثالث: وجوب القضاء ثاني عام.

الرابع: عليه أن يذبح بدنه ويوزع لحمها على فقراء الحرم.

عن عمر وعلي وأبي هريرة أنهم سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج، فقالوا:(ينفذان لوجههما حتى يقضيا حجهما، ثم عليهما حج قابل والهدي)، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سئل عن رجل وقع بأهله وهو بمنى قبل أن يفيض فأمره أن ينحر بدنه) [رواهما مالك في الموطأ].

ومن جامع بعد التحلل الأول وقبل الثاني:

فهو مخير بين ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مد من البر أو صاع مما سواه، وعليه إن يخرج إلى أقرب الحل، فيحرم منه لطواف الإفاضة، إلا إن كان قد طاف طواف الإفاضة ورمى ولكنه جامع قبل الحلق أو التقصير فلا حاجة ليجدد إحرامه.

ومن جامع قبل تمام العمرة فعليه شاة.

المبيت بمنى ليالي التشريق:

ثم تعود إلى منى لتبيت بها ثلاث ليالي، أو ليلتين إن تعجلت، والواجب أن تبيت معظم الليل ـ أكثر من نصفه ـ في منى، ليلة الحادي عشر من ذي الحجة، وليلة الثاني عشر من ذي الحجة، ذلك إن تعجلت في يومين، وليلة الثالث عشر من ذي الحجة إن تأخرت، وهذه الأيام الثلاثة تسمى أيام التشريق، وهي التي قال الله عنها واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى.

والدليل على وجوب المبيت بمنى حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -: (استأذن العباس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له) [متفق عليه] ويدل إذنه للعباس رضي الله عنه على أنه واجب على غير أهل الأعذار.

رمي الجمار أيام التشريق:

ويجب عليك أن ترمى الجمار في أيام التشريق، ووقت رميها في هذه الأيام، من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، قال جابر - رضي الله عنه -: (ورمى بعد يوم النحر في سائر أيام التشريق إذا زالت الشمس) [رواه مسلم].

فتبدأ بالجمرة الصغرى فترميها بسبع حصيات، تكبر مع كل حصاة، حتى تقع الحصاة في الحوض، وتحاول أن تستقبل القبلة مع استقبال الجمرة حال الرمي، فإن لم تستطع فاستقبل الجمرة وهذا يكفي، ثم اجعلها عن يسارك وتأخر للدعاء، وأطل فيه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أطال الدعاء في هذا الموضع، ثم انطلق إلى الجمرة الوسطى، فافعل مثل ما فعلت عند الصغرى، ولكن اجعلها عن يمينك وابتعد قليلاً عن الزحام وأطل في الدعاء، ثم انطلق إلى الجمرة الكبرى، فارمها بسبع حصيات من جهة الحوض ليقع الحصى فيه، ولا تقف عندها للدعاء فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك.

ويجب أن يكون الرمي على هذا الترتيب، الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، فإن أخللت بالترتيب، أعد الرمي.

فإن شق عليك أن ترمي كل يوم، بسبب كبر السن أو المرض أو الإعياء أو شدة الزحام أو طبيعة عملك في الحج ونحو ذلك، جاز لك أن تجمع رمي يومين في يوم، فترمي في اليوم الثاني أولاً رمي اليوم الأول حتى تنتهي من الصغرى فالوسطى فالكبرى، ثم تعود فترمي رمي اليوم الثاني الصغرى فالوسطى فالكبرى، أو تجمعها كلها في اليوم الثالث، إن لم تتعجل في يومين، فترمي في هذه الحالة بالترتيب وفق النية، تبدأ برمي اليوم الأول حتى تنتهي منه، ثم تعود إلى الصغرى فترمي بنية اليوم الثاني، ثم الثالث هكذا.

التعجل والتأخر:

ويجوز لك أن تتعجل في يومين، فإذا رميت الجمار ثاني أيام التشريق، تطوف طواف الوداع قبل أن تغادر مكة، والأفضل أن تتأخر، فتبيت بمنى ليلة الثالث عشر من ذي الحجة وهو آخر أيام التشريق، وترمي الجمرات بعد الزوال يوم الثالث عشر من ذي الحجة، ثم تطوف طواف الوداع قبل أن تغادر.

ويشترط لمن عزم على التعجل في يومين أن يرمي الجمرات في اليوم الثاني قبل غروب الشمس ثم يخرج من منى، فإن بات بها، أو أدركه الليل وهو فيها، وجب عليه أن يأتي برمي اليوم الثالث بعد الزوال فيتأخر، ولا بأس إن حبس بسبب الزحام حتى أدركه الغروب وهو في منى بغير اختياره، فليرم وينفر إن شاء التعجل لأنه معذور.

طواف الوداع:

ولا يجب عليك طواف الوداع إلا إذا عزمت الخروج من مكة، فإن أردت البقاء فيها فإنك تؤخره إلى أن تعزم على مغادرتها.

ولا يجوز لك أن تنشغل بشيء بعد طواف الوداع، بل تبادر إلى مغادرة مكة، إلا أن تنتظر صحبة تلحق بك، أو تشتري حاجاتك في طريقك ونحو ذلك.

والحائض يسقط عنها طواف الوداع، فإذا أنهت رمي الجمار، فلها أن تسافر، عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (أُمر الناس أن يكون أخر عهدهم بالبيت الطواف إلا أنه خفف عن المرأة الحائض) [متفق عليه].

ويجوز لمن أخر طواف الإفاضة أن يطوفه وينوي به طواف الإفاضة والوداع، طوافاً واحداً، ويغادر، حتى لو كان عليه سعي بعد الطواف، لان ذلك لا يخالف قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث السابق فالسعي متعلق بالبيت أيضاً.

فوات الحج:

ومن أدركه من الحجاج طلوع فجر يوم النحر، ولم يقف بعرفة ولو للحظة، فقد فاته الحج، وانقلب إحرامه عمرة، فيطوف ويسعى ويتحلل، ويقضى من العام القادم، ويذبح هدياً في قضاءه، إلا إذا كان قد اشترط فلا هدي عليه ولا قضاء.

الإحصار:

ومن منع مانع عن إتمام حجه قبل أن يحرم بالنسك رجع ولاشيء عليه. وإن كان بعد إحرامه وقد اشترط قائلاً عند إحرامه (ومحلي حيث حبستني) حل من إحرامه ولبس ثيابه ولاشيء عليه.

وإن لم يكن قد اشترط، فإن حبس عن الحج كله ولا يستطيع أن يصل إلى البيت، ذبح هدياً في المكان الذي حصر فيه، أو بعث به إلى الحرم، ثم حلق أو قصر وصار حلالاً.

وهذا هو الإحصار، وأصح قولي العلماء أن الحاج يصير محصراً يجوز له تحلل المحصر سواء أحصر بعدو وغيره كالمرض وذهاب النفقة.

فإن لم يجد هدياً في موضعه الذي أحصر فيه، أناب من يذبح عنه الهدي في الحرم ثم حل، فإن كان فقيراً لا يقدر على ذبح الهدي، صام عشرة أيام ثم حل في قول الجمهور، والصحيح لاشيء عليه، فيحلق أو يقصر وقد حل. ومن حبس عن عرفة فقط ذهب إلى البيت وتحلل بعمرة ولاشيء عليه، إن كان قبل الفوات، وإن كان تحلله بعمرة بعد الفوات فعليه القضاء.

وإن وقف بعرفة وحصر عن إتمام بقية الحج يذبح هدياً بنية التحلل ويحلق أو يقصر، ويكون بذلك قد حل من إحرامه كمن أحصر عن الحج كله.

صيد مكة:

ويحرم صيد مكة على الحاج وغيره، فكل ما يحرم صيده حال الإحرام يحرم صيده في حدود الحرم المكي، وكذلك الحرم المدني.

ولا يجوز قطع شجر الحرم وحشيشه اللذين لم يزرعهما الآدمي.

عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة: (إن هذا البلد حرام لا يعضد شوكه ولا يختلى خلاه ولا ينفر صيده ولا تلتقط لقطته إلا لمعرف) [متفق عليه]، ومعنى لا يعضد شوكه أي لا يقطع الشجر الذي فيه شوك، والمقصود لا يقطع كل الشجر حتى الذي فيه شوك، ومعنى لا يختلى خلاه أي لا يقطع الحشيش الرطب منه، دون اليابس فيجوز، وكذلك رعي الأنعام يجوز مطلقاً لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لم يكمموا أفواه ما معهم من النعم في الحرم.

ومعنى لا تلتقط لقطته إلا لمعرف أن من وجد في الحرم لقطة وجب عليه أن يعرفها أبداً، وأما في غير الحرم فيعرفها سنة ثم يأخذها إن لم يأت صاحبها، فإن جاء يوماً من الدهر، دفعها إليه أو دفع ثمنها إن طلبها صاحبها.

زيارة المدينة المنورة:

ويستحب للحاج أن يغتنم فرصة وجوده بمكة فيكثر من الطواف في البيت، ويزداد من الصلاة في المسجد الحرام، فعن جابر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه) [رواه أحمد وابن ماجة].

ويستحب له أن يصلي داخل الكعبة إن استطاع، أو في الحجر فإنه من الكعبة، وأن يحمل معه من ماء زمزم.

وزيارة المسجد النبوي سنة مستحبة، ولكن لا تعلق لها بمناسك الحج، وكل ما ورد من أن الحج لا يقبل بغير زيارة قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو أن ذلك جفاء له - صلى الله عليه وسلم -، مثل ما يروى: (من حج فلم يزرني فقد جفاني)، كل ذلك لا يصح و لا تقوم به حجة.

ولا يجوز أن ينوي المسافر إلى المدينة شد الرحال إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا) [متفق عليه] من حديث أبي هريرة.

ولكن ينوي زيارة مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وله أن يزور القبر الشريف مصلياً ومسلماً على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومسلماً على صاحبيه رضي الله عنهما، وله أن يدعو الله - تعالى - عند الزيارة مع استقبال القبلة، ولا يستقبل الحجرة التي فيها القبر حال الدعاء، ولا يجوز لأحد أن يدعو عبداً من دون الله - تعالى -، لا ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً قال - تعالى -: وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا.

ولا يجوز سؤال الشفاعة إلا من الله - تعالى -، قال - تعالى -: قل لله الشفاعة جميعاً، فيقول الزائر: (اللهم ارزقني شفاعة نبيك - صلى الله عليه وسلم -) ونحو ذلك.

ولا يجوز التبرك بجدران الحجرة التي فيها القبر الشريف، ولا بشيء من قبور الصالحين وآثارهم، فذلك بدعة ضلالة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) رواه الترمذي وأبو داود من حديث العرباض بن سارية - رضي الله عنه -.

ويستحب لزائر المدينة المنورة، الصلاة في مسجد قباء، قال - صلى الله عليه وسلم -: (من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة) [رواه احمد والترمذي وابن ماجة].

كما يستحب له زيارة البقيع وقبور شهداء أحد، ويدعو لهم، وأما سائر المواضع التي لم يرد في زيارتها سنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل المساجد السبعة ومسجد القبلتين فتخصيصها بالزيارة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

وكل خير في اتباع من سلف **** وكل شر في ابتداع من خلف

  

الكاتب: حامد بن عبد اللّه العلي
عدد المشاهدات: 1363
تاريخ المقال: ‏06 ‏سبتمبر, ‏2015
حمل تطبيق نور الله
رمضان شهر الصيام
سجل في النشرة الاخبارية في نور الله
عقارات السعودية
إعلن عن عقارك في سمسار السعودية
عقارات السعودية
إعلن عن عقارك في سمسار السعودية