كتب ومراجع ورسائلكتبكتاب ليلة القدرالإعجاز القرآني › 2- الإعجاز العلمي .. وأمثلة شتى!!

2- الإعجاز العلمي .. وأمثلة شتى!!

لا سبيل إلى معرفة الله عن طريق التأمل في ذاته، فإن الوسائل إلى ذلك معدومة، وإنما طريق التعرف على الله يبدأ من التأمل في خلقه. وعن طريق التفكير السليم في الحياة والأحياء، واستخلاص المعارف القيمة الخارجة من الأرض أو النازلة من السماء، يمكننا أن ندرك طرفاً من عظمة الخالق، الأعلى، وما ينبغي أن يوصف به من كمال..!!! كيف يعرف روعة القدرة وإحاطة العلم، ودقة الحكمة، وجلال الموجد الكبير، امرؤ مغلق الذهن، مكفوف البصيرة؟ يمشي على الأرض كما تمشي السائمة، لا يستبين من صفحات العالم إلا ما تستبينه الدواب من قوانين الكهرباء، أو أسرار الجاذبية، أو معالم الجمال، أو طبائع العمران. إنك تنظر إلى الآلة الدوارة، ذات التروس المتراكبة، والأذرع المتشابكة تتحرك كما أريد لها بسرعة ونظام، وتؤدي العمل المطلوب منها برتابة وإحكام فما تملك نفسك من أن تشهد بحدة الذكاء للذي اخترعها، ومهارة اليد التي قدرتها، ثم سيرتها. ونحن كذلك ننظر إلى ما بين أيدينا وما خلفنا، وما فوقنا وما تحتنا، فما نملك أنفسنا من الشهادة لله ـ الذي أبرز ذلك كله من العدم ـ بأنه خلق فسوى، وقدر فهدى. وكلما ازدادت معرفتنا بمادة الوجود وسره، وانكشفت لنا آياته وخباياه أحسسنا أن عظمة المبدع الماجد فوق ما يطيقه وعينا المحدود، وان التحية التي تقدم لهذا الإله الجلل هي الاعتراف بأن مظاهر وجوده بهرت كما يبهر ألسنا المتألق عيون الناظرين!!! إن درسا في الطبيعة والكيمياء هو صلاة خاشعة. وإن سياحة في علم الأفلاك هي تسبيح وتحميد. وإن جولة في الحقول الناضرة، والحدائق الزاهرة، أو جولة مثلها في المصانع الطافحة بالحركة، المائجة بالوقود والإنتاج، هي صلة حسنة بالله ذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وقد كنت أهش لحصص العلوم الكونية يوم كنا نتلقى دروسها في مرحلة التعليم الثانوي. وكانت حصيلتنا من هذه الدراسات حسنة، أو هي على الأقل مهاد يستطيع طالب المزيد أن يبني عليه. ثم عرفت أن لجنة تعديل المناهج في الجامع الأزهر طوحت بنصف هذه الدراسات، وردت أكثر الباقي إلى مرحلة التعليم الابتدائي. وحجتها فسح المجال لعلوم اللغة والشريعة. وهذا عمل طائش، والحكة فيه داحضة، فإن العلوم الكونية من صميم المعارف الإسلامية، بل هي أولى بالله وبدينه من أكثر العلوم المنسوبة إلى الإسلام الآن. والحقيقة أن هذا التصرف عودة إلى المعصية التي ارتكبها المفكرون الإسلاميون عندما ذهلوا عن البحث في المادة، وانشغلوا بالبحث فيما وراءها، فرجعوا بعد عدة قرون من هذا الشطط وأيديهم صفر. فلا هم الذين فهموا المادة وانتفعوا بعلومها المتاحة. ولا هم الذين اخترقوا أسوار الغيوب، وعرفوا كنه ما وراء الطبيعة. بل ليت أيديهم عادت صفراً، لقد عادت وملؤها الوهم من فلسفات النظر الفاشل، والتفكير المريض. إن كل توهين للدراسات المادية هو مشاقة واضحة لآيات النظر والتدبر الواردة في القرآن الكريم وما أكثرها. وما نغالي إذا قلنا: إنها حكم بالإعدام على هذه الآيات، ثم إقامة مجتمع ساذج، أو مستغفل أو بليد بين أرض وسماء حافلتين بالنور والقوة. إن الله الذي خلق العقل نوه به وأشاد بقيمته. وإن الله الذي أنزل الإسلام، وأتم به النعمة، جعل ملاك فقهه وقيام أمره على ذلك العقل. وإن الله الذي أبدع هذا العالم لم يلق مفاتيح إبداعه للبله والحمقى، وإنما ألقاها للعالمين الأذكياء. ولم يتح تسخيرها للمفرطين العاجزين، وإنما أتاحها لأولي العزم الأقوياء..! والتطابق بين الكون الممهد، وبين العقل الواعي كالتطابق بين الحق، وغطائه .. فإذا لم يستفق العقل ويؤدي رسالته، انفصمت العلائق بينه وبين هذا العالم، وبالتالي وهت صلته بالله، وانحسرت دون مداها. فمن أين تتأتى معرفة الله على وجه مستكمل جميل إلا عن طريق إمعان النظر في ملكوت الله، ومطالعة روائعه بين الحين والحين؟؟ وإذا كان ذلك طريق ابتداء المعرفة، فهو كذلك طريق مضاعفتها. ولا يصدنك عن هذا الحق أن هناك علماء بالكون يجهلون ربهم، فإن أسباب جهلهم أو جحدهم لا تنبعث من هذه الدراسات. وإذا وجدنا من يقرأ الكتاب العزيز ويكفر به، فليس كفرانه آتياً من قبل قراءته، وما يجرؤ مسلم على تحريم القراءة، لأن بعض المعلوين لم يحسن الإفادة منها، كذلك لا يقبل من أحد أبداً أن يغض من شأن الدراسات الكونية لأنها لم تهد بعض الملحدين إلى رب العالمين. وليس ثمة تفاوت بين العلم والدين، فإن الله الحق هو مصدر الاثنين، وإذا لوحظ أن هناك اختلافاً فليس بين علم ودين، بل بين دين وجهل أخذ سمة العلم، أو بين علم ولغو لبس سمت الدين. وسترى أن القرآن الكريم مستقيم كل الاستقامة مع كل الكشوف التي يميط العلم عنها الستار، وذلك لا ريب من دلائل صدقه وآيات إعجازه. فإن راكب الناقة ابن الصحراء الذي لم يعل اللجج يوما أو يكابد الأنواء حين يجئ على لسانه وصف علمي دقيق للبحر والجو، نجزم بأن هذا الوصف ليس من عنده، بل من عند عالم الغيب والشهادة. هب أن فلاحاً من أغمار الصعيد كتب وصفاً لرحلة جوية بين شاطئ المحيطين، ذكر فيها أنباء لا تعرفها إلا أدق المراصد، وأحوالا ما يتبينها إلا أذكى الطيارين. أتحسب أحداً يصدق بأنه قال ذلك من عند نفسه؟؟ وقبل أن نذكر نماذج للرد المحكم الذي أفرغ القرآن فيه أوصاف الكون، ومشاهد الطبيعة، وقوي العالم، نحب أن نذكر طبيعة الصلة بين العلم والدين، أو بين آيات الله في كتابه الكريم وآياته في هذا الكون العظيم .. وذلك نقلا عن كتاب "سنن الله الكونيه" للدكتور العالم محمد احمد الغمرواي. قال بعد شرح للمسالك التي يتأدى بها العلم إلى نتائجه: "رأيت مثلا من طريقة العلم في تعرف أسرار الفطرة، والاهتداء إلى سنن الله في الكون، وتبينت كيف أن هذه الطريقة تضمن الوصول إلى الحق في القريب أو البعيد، وإن استعانت على ذلك بفرض الفروض. لكن لا خوف قط على الحقيقة من هذه الفروض مادام العلم يطبق فروضه على الواقع، ويمحصها بالتجربة والاختبار. فهذه الطريقة في الواقع هي طريقة العلم في الاجتهاد، وبينها وبين طريقة اجتهاد المجتهدين في الدين وجه شبه مهم هو: أن رجال العلم يستوحون الحقيقة من صنع الله، ورجال الدين يستوحون الحقيقة من كلام الله وحديث رسوله. فكل في الحقيقة مرجعه إلى الله، وإن لم يصل رجال العلم بعد إلى الله. وكل في حكم الدين نفسه مرجعه إلى الله، إذ أن هذه الحقائق الطبيعية التي يكشف عنها العلم ببحوثه إنه هي إلا نوع من كلمات الله، أو هي كلمات الله الواقعة النافذة، كما أن آيات القرآن هي كلمات الله الصادقة المنزلة. ولقد سمى القرآن حقائق أسرار الخلق كلمات لله في مثل قوله تعالى: [{وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ}] [{قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا }] وكلمات الله في هاتين الآيتين الكريمتين لا يمكن أن تكون كلماته المنزلة على رسله، لأن كلماته سبحانه في كتبه المنزلة محصورة محدودة في حين أن كلماته المشار إليها في هاتين الآيتين لا حصر لها ولا نهاية. فلابد أن تكون هي كلماته النافذة في خلقه، والتي يبدو أثرها متجسما فيما يشاهد من الحوادث، وفيما يكشف العلم من أسرار الكون. فالإسلام متسع للعلم كله: حقائقه وفروضه، والمجتهد مثاب أخطأ أم أصاب، مادام يريد وجه الحق، وإن كان العلم لا يعرف إلى الآن: أن سبيل الحق من سبيل الله. وهذا الكلام يحتاج إلى أمثلة تشرح غوامضه وتكشف خوافيه. ما مظهر الوفاق بين آيات القرآن وأسرار الكون التي أطلعنا العلم عليها في هذا الزمان؟ وأين مصداق ما تلاه محمد على الناس منذ أربعة عشر قرناً، فكان سبقه به دليلا على أنه لا ينطق على الهوى، إن هو إلا وحي يوحي؟ لقد ذكر الدكتور العالم أمثلة شتى تلمحها وهو يصف بدقة حقائق الطبيعة، ثم يسوق بعدها الآيات القرآنية فإذا هي منطوية على هذه الأوصاف أو متجاوبة معها. وكما سخر الله سبحانه وتعالى الجاذبية للإنسان في إجراء الأنهار تسير الهويني أو غير الهويني إلى سطح البحر، سخرها له أيضاً في كبح جماع البحر، ومنعه أن يطغى بمائه الأجاج على النهر أو على اليابسة، فهي دائماً تحبسه في مستقره الذي هو كما قلنا من قبل أقرب مواطن سطح الأرض إلى مركز الأرض. فالبحر لا يستطيع أن يفارق في مستقره ذلك إلا بقوة أخرى تغلب قوة الجاذبية عليه وهيهات، فكأنما البحر ملجم بالجاذبية أن يهجم على اليابسة من الأرض، كلما هم بالهجوم بفعل المد، أو الريح، أو حركة الأرض، جذبته قدرة الله بلجام الجاذبية من خلف، فيعود إلى موطنه الذي كتب عليه أن يبقى مقيداً فيه. ولقد من الله سبحانه على الإنسان بهذا حين من عليه بحجزه بين البحرين، أو بين البحر والنهر، في قوله: [{وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا}] وليس ذلك البرزخ والله أعلم إلا ارتفاع ما بين سطح البحر وسطح اليابسة التي يجري فيها النهر. وليس ذلك الحجر المحجور والله أعلم إلا الجاذبية بين البحر ومركز الأرض وحبسها البحر في موطنه. ولقد من الله على الإنسان بذلك مرة أخرى، وعاب عليه، وعجب منه، كيف يشرك مع الله إلها آخر رغم ذلك في قوله سبحانه: [{أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ }] فتفهم هذه الآية الكريمة في ضوء ما ذكرناه لك، وتأمل تعقبه سبحانه بقوله: [{بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ }] تعلم أن ذلك العلم من هذا الدين، وأن هذا القرآن لم يأت إلا من خالق الفطرة، وأنه لا غنى للمسلم عن علم الفطرة إن كان يريد حقاً أن يفهم شيئاً من سر الآيات الكونية في القرآن. على أن أهمية الجاذبية في الكون أعظم من هذا بكثير، فإن الجاذبية كما قد عرفنا ليست بين الأرض وما عليها فقط، بل بين الأرض وما عداها من الكواكب ثم هي أيضا بين كل كوكب وما عداه. فكل كوكب في ملكوت الله يجذب كل كوكب آخر طبق سنة الجاذبية السابق ذكرها، أي بقوة تتناسب مع حاصل ضرب كتلتي الكوكبين مقسوما على مربع المسافة بينهما، وناتج كل هذه القوى الواقعة على الكوكب قوة واحدة يمسكه الله بها في مداره أو فلكه أو في موقعه الذي هو فيه إذا كان النجم من الثوابت. فالجاذبية إذن على قدر علم الإنسان إلى الآن، هي القوة التي يمسك الله بها سبحانه السماوات والأرض في مواقعها التي قدر لها، أو هذا إن شئت هو ما أدركه الإنسان إلى الآن في سر قوله تعالى: [{إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ }] وفي قوله تعالى: [{اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}] وما يشبهها من آيات القرآن، إشارة إلى قوى الجاذبية الخافية، التي هي بعد تقدير الله لها سبب بقاء أجرام السماء في أماكنها، ومداراتها المقدرة لها. فإنه إذا فهم من قوله تعالى: [{بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}] أن السماوات مرفوعة بعمدٍ غير مرئية كما هو ظاهر الآية كانت تلك العمد غير المرئية هي قوى الجاذبية بين بعض الكواكب وبعض. لأن العمد المعروفة المادية تؤثر أثرها وتحمل أحمالها بإرسال قوى أو ضغوط تساوي وتضاد ضغوط الأبنية عليها كما هو صريح علم القوى، وكما يحصل بالضبط بين الكواكب المتجاذبة. فإذا عجزت العمد على أن تكون ضغوطها المضادة لضغوط المحمولات عليها مساوية لهذا الضغوط، تكسرت الأعمدة والجدران، أو تشققت، ويكون البناء أقرب إلى التداعي بقدر ما بين ضغوط الأعمدة وضغوط الأحمال من فروق. ففي حالة الأعمدة وما تحمل يوجد تضاغط واتزان، كما أن هناك بين الأجرام السماوية تجاذباً وتوازناً، وإن اختلف مدى التوازن ونوعه في الحالين. وينبغي أن نتذكر أيضاً أن الأعمدة ضاغطة، وليس هي بداهة نفس الضغوط الخارجة منها، وأن هذه الضغوط المقاومة لثقل الأبنية غير مرئية وإن رأينا الضاغط من عمود أو جدار. كذلك قوى التجاذب بين أجرام السماء غير مرئية، وإن رأينا أجرام السماء، فالتعبير بالعمد غير المرئية عن القوى التي رفع الله بها السماوات هو أدق تعبير، وأبلغه في الخطاب، يفهم كل منه بقدر ما رزقه الله من الفهم والعلم. [{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}] فقانون الجاذبية هو مفتاح فهم أمثال الآيتين السابقتين من كتاب الله عز وجل، إلا أن اِارة إلى القانون في تلك الآيات الكريمة إشارة عامة من ناحية الوصفية". وهاك شرحه كذلك لظاهرة طبيعية أخرى. الأمطار: أما العوامل المسببة للأمطار ومحورها كما رأيت الكهرباء الجوية فقد أشير إليها إشارات واضحة في أكثر من آية منم تلك الآيات الكريمة آية الحجر: [{وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ }] ومفتاح هذه الآية الكريمة هو ترتيب إنزال الماء لسقيا الناس على إرسال الرياح لواقح. والناس يحملون وصف الرياح باللواقح على إنها لواقح للزرع والشجر، وهذا منهم إغفال للنصف الثاني من الآية، إذ لو كان ما ذهبوا إليه هو مراد، لترتب عليه إزكاء الزرع، وإخراج الثمر للناس يأكلونه، لا إنزال الماء من السماء يشربونه. أما وقد رتب الله على إرسال الرياح لواقح إنزال الماء من السماء يسقاه الناس فقد تحتم أن يكون للواقح معنى آخر غير معنى تلقيح الزرع، ويكون مع ذلك من ناحية شبيها بلقاح الأحياء، من زروع وحيوان، ومن ناحية أخرى يكون بينه وبين نزول الماء ما بين العلة والمعلول، أو السبب والمسبب. وما عليك إلا أن تذكر ما قدمنا لك عن تكاثف السحاب مطراً، وعن آثر كهربائيته في ذلك التكاثف، وأثر الرياح في تمهيد سبل الاتحاد بين كهربائية وكهربائية في سحاب وسحاب، لتعلم أن المراد من وصف الرياح بأنها "لواقح" ليس هو الإشارة إلى أثرها في الجمع بين طلع أعضاء التذكير، وبويضات التأنيث في النبات، ولكن هو الإشارة إلى أثرها في الجمع بين الكهربائية الموجبة والكهربائية السالبة في السحاب. فالملاقحة هنا بين قطيرات وقطيرات أو بين سحاب وسحاب لا بين زهر وزهر!! والشبه تام بين هذا التلقيح النباتي، وذلك التلقيح الكهربائي، أو بالأحرى ليس هناك تشبيه مطلقاً، فإن أتحاد الكهربائيتين تلقيح، إن كان اتحاد الخليتين تلقيحاً، لأنه في الحالين اتحاد تام بين شيئين متضادين متجاذبين، يختفي به الشيئان، ويظهر مكانهما شيء آخر غيرهما. ففي حالة التلقيح النباتي ينشأ من بين الخليتين خلية واحدة لها خواص غير خواص أيهما، وفي حال التلقيح الكهربائي ينشأ من بين الكهربائيتين ضوء وحرارة لهما خواص غير خواص الكهربائيتين. فهذا شرط الشبه الشديد للقاح الأحياء قد توفر. أما شرط ترتيب نزول الماء على تحقق هذا الإلقاح، فقد عرفت توفره من ترتب تكاثف السحاب مطراً على التفريغ الكهربائي السحابي. فآية الحجر تلك هي مظهر من مظاهر الإعجاز المتجدد للقرآن، لأن تلاقح السحاب وأثره في نزول المطر، أمر كان يجهله الإنسان، حتى كشف عنه العلم الحديث. وهي طبعا مثل رائع من التطابق التام بين العلم والدين في الإسلام. وآية أخرى أكثر تفصيلا من آية الحجر هي آية النور: [{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ }] ومفتاح هذه الآية الكريمة هو قوله تعالى: "ثم يؤلف بينه" فقد كان الناس يمرون بهذه الكلمات الكريمة يرونها مجازا من المجازات البلاغية، وهي حقيقة من أمهات الحقائق الكونية. وهذه الكلمات مفتاح الآية الكريمة، لأنها تدل بوضوح على الحقيقة الكهربائية التي تقوم عليها تلك الظواهر الجوية كلها، فإن التأليف بين السحاب ما هو إلا إشارة واضحة، بل وصف دقيق للتقريب بين السحاب المختلف الكهربائية، حتى يتجاذب، ويتعبأ في الجو تعبئة كتعبئة الجيوش، يتفق مع ما يريد الله أن يخلقه من بين السحاب من برق، وصواعق، ومن مطر أو برد. فإذا كان السحاب المتجاذب بعضه فوق بعض، نشأ السحاب الركام. وقد ذكرنا لك قبل .. ما وجدوه من أن عمق الركام من العواصف الرعدية يكون عظيما، فإذا حدث التفريغ داخل السحاب بين بعض تلك الطبقات وبعض كما هو الغالب نزل المطر الناشئ عن ذلك التفريغ من خلال الطبقات الدنيا، وتكبر قطراته أثناء نزولها بما تستلحقه من القطيرات، وهو الودق. فإذا بلغت الحالة الجوية الكهربائية في ذلك السحاب الركام من القوة ومن الاضطراب، ما يسمح بوقوع تلك الظاهرة الغريبة، ظاهرة تردد بلورات الماء بين منطقتين، ثلجية علوية ومطرية سفلية، تكون البرد، ونما حتى يصير أثقل من أن يظل في أسر تلك القوى، فيسقط على الأرض رحمة إن كان صغيراً هيناً، ونقمة إن كان كبيراً راجماً. [{فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء }] وليس يدري الإنسان كثيرا عن الظروف التي يتكون فيها البرد، لكنه يدري أنها ظروف يسودها اضطراب جوي عظيم. هذا الاضطراب قد أشارت الآية إليه وإلى طبيعته إشارتين: الأولى: حين شبهت السحاب الركام الذي يتكون البرد داخله .. بالجبال. والثانية: حين أشارت إلى عظم القوى الكهربائية المشتركة في تكوينه بنصها على عظم برقه وشدته وبلوغه من الحرارة درجة الابيضاض أو ما فوق ذلك: [{يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ }] وهناك آية أخرى أشارت إلى الطبيعة الكهربائية لتلك الظواهر إشارة من نوع آخر، هي آية الواقعة: [{أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ "68" أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ "69" لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ "70"}] وتستطيع بعد أن عرفت العوامل المتعددة التي لابد من تعاونها على تكوين المطر أن تدرك شيئا من سر الحجة في هذا السؤال العجيب: [{أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ ؟}] لكن الإشارة التي أردنا أن نلفت النظر إليها هي في قوله تعالى: [{لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ }] والناس طبعا يسلمون بالقدرة الإلهية على قلب العذب أجاجاً، ويظنون أن هذا يكون عن طريق الخوارق، ولا يتساءلون: هل في سنن الله ما يسمح بهذا؟ ولو تساءلوا وتطلبوا الجواب في العلم لوجدوه قريباً، ولعرفوا أن عذوبة الماء الذي يسقيهم الله إياه من السحاب هي بمحض رحمة الله. إن الماء طبعا عذب بطبيعته، وماء المطر معروف أنه أنقى المياه، لكن طبيعة تكونه من السحاب تعرضه لأن ينقلب أجاجاً لا ينتفع به الإنسان. إن الهواء كما تعرف أربعة أخماسه أزوت ونتروجين، والأزوت كما تعرف أيضا لا يكاد يتحد في العادة بشيء، ولا بالأكسجين الذي يكاد يتحد بكل شيء. لكن الكيميائيين وجدوا أنهم يستطيعون بالكهربائية أن يحولوا الأزوت غير الفعال إلى أزوت فعال، يتحد بأشياء كثيرة في درجة الحرارة العادية. كما وجدوا أنهم يستطيعون أن يحملوا الأزوت على الاتحاد بالأكسجين، بإمرار الشرر الكهربائي في مخلوط منهما، ومن هذا الاتحاد ينشأ بعض أكاسيد للأزوت قابل للذوبان في الماء، وإذا ذاب فيه اتحد به، وكون حمضين أزوتين، أحدهما: حمض الأزوتيك، أو ماء النار، كما كان يسميه القدماء، وإليه يصير الحمض الثاني. وقليل من حمض الأزوتيك في الماء كاف لإفساد طعمه. وأظنك الآن بدأت تدرك الطريق الذي يمكن أن ينقلب به ماء المطر ماء أجاجاً، من غير خرق لأي سنة من سنن الله. فهو نفس الطريق الكهربائي الذي يتكون به المطر، وكل الذي يلزم: أن يتعدل التفريغ الكهربائي، ويتكرر في الهواء تكراراً يتكون به مقدار كاف من تلك الأكاسيد الأزوتية يذوب في ماء السحاب، ويحول حمضيا لا يسيغه الناس. وهذا هو موضع المن من الله على الناس: أنه يكيف التفريغ بالصورة التي ينزل بها المطر، ولا يؤج بها الماء. إن شيئا من ذينك الحمضين لابد أن يترك في ماء العواصف، وهذا ضروري للحياة لأنه يتحول في الأرض إلى الأزوتات الضرورية لحياة النبات. لكن الله برحمته وحكمته يقدر تكونه بحيث لا يتأذى به إنسان ولا حيوان. ولو شاء الله لكثر الحمض في ماء المطر فأفسده على الناس. وسواء شكر الناس هذه النعمة أم كفروها، فإن الله في قوله تعالى: [{لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا }] إشارة إلى تلك العوامل الكهربائية التي يتكون بها المطر، يفهمها من يفقه تلك الحقائق السابقة، ومن يعرف أن الطريق الكهربائي هو أحد الطرق العلمية التي يمكن بها تحويل الأزوت الجوي إلى حمض.
عدد المشاهدات: 8284
تاريخ المقال: ‏03 ‏نوفمبر, ‏2004
حمل تطبيق نور الله
سجل في النشرة الاخبارية في نور الله
أخبار المسلمين
خلال 30 أيام
خلال 7 أيام
اليوم