كتب ومراجع ورسائلكتبكتاب ليلة القدرفي ضوء القرآن الكريم › 4- لماذا لم ينزل القرآن دفعة واحدة؟

4- لماذا لم ينزل القرآن دفعة واحدة؟

قلنا في المبحث السابق: أن أول ما نزل من قرآن على الإطلاق على النبي صلى الله عليه وسلم: أول سورة العلق:
[{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ "1" خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ "2" اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ "3" الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ "4" عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }]
وكان ذلك قبيل أن يبلغ الأربعين من عمره صلى الله عليه وسلم، وقبيل تكليفه بدعوة الناس إلى إخلاص العبادة لله الواحد القهار.
وأن آخر ما نزل من قرآن على الإطلاق عليه صلى الله عليه وسلم، هو قوله تعالى:
[{وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }]
وكان ذلك قبيل وفاته صلى الله عليه وسلم بتسع ليال، كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما .. والمدة الزمنية بين أول ما نزل من قرآن، وآخر ما نزل، تصل إلى ثلاث وعشرين سنة، وخلال تلك المدة الطويلة تتابع نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم أي؛ أن القرآن لم ينزل عليه صلى الله عليه وسلم دفعة واحدة، وإنما نزل مفرقا في تلك المدة الطويلة.
وقد قرر القرآن هذه الحقيقة، وأشار إلى الحكمة في نزول القرآن منجما، في قوله تعالى:
[{وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً } (سورة الإسراء: الآية 106)]
أي: لقد أنزلنا إليك أيها الرسول الكريم هذا القرآن مفصلا في أوامره ونواهيه، وفي أحكامه وأمثاله .. ومنجما في نزوله، لكي تقرأه على الناس على تؤدة وتمهل وتأن وحسن ترتيل، حتى يتيسر لهم حفظه بسهولة، وحتى يتمكنوا من تطبيق تشريعاته وتوجيهاته تطبيقا عمليا دقيقا.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا قرئوننا القرآن، أنهم كانوا يستقرئون عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا تعلموا عشر آيات، لم يتركوها حتى يعلموا بما فيها، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا.
وقوله سبحانه: "ونزلناه تنزيلا" أي: ونزلنا عليك هذا القرآن تنزيلا مفرقا في مدة تصل إلى ثلاثة وعشرين سنة، على حسب ما تقتضيه حكمتنا، وعلى حسب الحوادث والمصالح، وليس من أجل تيسير حفظه فحسب.
وفي سورة الفرقان آيتان كريمتان أشارتا أيضا إلى جانب من الحكم التي من أجلها نزل القرآن منجما، وهي قوله تعالى:
[{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا "32" وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } (الآيتان:32، 33 سورة الفرقان)]
أي: وقال الكافرون بالحق الذي جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم: هلا نزل هذا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم جملة واحدة دون أن ينزل مفرقا كما نراه ونسمعه؟
ولما كان قولهم هذا يدل على سوء أدبهم، لأنهم اقترحوا شيئا لا مدخل لهم فيه، ولا علم عندهم بحكمته .. لما كان الأمر كذلك، فقد رد الله تعالى عليهم بقوله:
[{كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا }]
أي: أنزلناه كذلك مفرقا، وجعلنا بعضه ينزل إثر بعض، لنثبت به فؤادك، ورتلناه ترتيلا بديعا، بأن قرأه عليك جبريل على تمهل وتؤدة.
فسر أيها الرسول الكريم في طريقك، ولا تلتفت إلى سفاهات المشركين، فأنهم لا يأتونك بمثل هذا الكلام العجيب المتهافت، إلا جئناك في مقابلته بالجواب الحق، الذي يزهق باطلهم، ويدحض شبهاتهم.
وقد ذكر العلماء حكما متعددة لنزول القرآن مفرقا من أهمها ما يأتي:
أ. تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أذى، فقد تعرض صلى الله عليه وسلم منذ بعثته لألوان من الأذى الشديد، الذي تمثل في المساومة والمقاطعة والتعنت والعدوان والترهيب ومحاولة قتله.
فكان القرآن ينزل عليه، ليهون عليه البلاء، وليرفع عن كأهله الحزن والعناء، وليسليه عما لحق به من أعدائه من تطاول واستهزاء.
وهذه التسلية نراها تارة عن طريق قصص الأنبياء السابقين، وما أصابهم من الجاهلين والجاحدين.
ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى، قوله تعالى:
[{وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ .. } (سورة هود: الآية 120)]
أي: وكل نبأ من أنباء الرسل الكرام السابقين، نقص عليك أيها الرسول الكريم وعلى أصحابك ونخبرك به، فالمقصود به تثبيت قلبك، وتقوية يقينك، وتسلية نفسك ونفوس أصحابك عما لحقكم من أذى في سبيل تبليغ دعوة الحق إلى الناس، وجاءك أيها الرسول الكريم في هذه السورة وفي غيرها من سور القرآن، ما فيه الحق الثابت، والعظات البليغة، والذكرى النافعة وتارة تأتي هذه التسلية عن طريق بيان أن العاقبة له، وأن النصر في النهاية سيكون له ولأتباعه.
ومن الآيات التي قررت هذا المعنى قوله سبحانه:
[{إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } (سورة غافر: الآية 51)]
ومرة ثالثة نرى هذه التسلية عن طريق دعوته إلى التأسي والاقتداء بمن سبقوه من الرسل في الصبر وقوة التحمل.
ومن الآيات التي ذكرت ذلك قوله تعالى:
[{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ } (سورة الأحقاف: الآية 35)]
وطورا نرى القرآن الكريم يغرس هذه التسلية في قلبه صلى الله عليه وسلم ببيان أن أعداءه يعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم، إلا أن الجحود والحسد والعناد هو الذي حملهم على عداوته ..
ومن الآيات التي أكدت هذا المعنى قوله عز وجل:
[{قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ } (سورة الأنعام: الآية 33)]
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: "يقول الله تعالى مسليا رسوله في تكذيب قومه له، ومخالفتهم إياه، قد أحطنا علما بتكذيبهم لك، وحزنك وتأسفك عليهم، واعلم يا محمد أنهم لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر، ولكنهم يعاندون الحق، ويدفعونه بصدورهم، كما قال أحد أعدائك لك: أنا لا نكذبك يا محمد ولكنا نكذب ما جئت به .." (تفسير ابن كثير: جـ2 ص130)
وفي معنى هذه الآية الكريمة جاءت آيات كثيرة منها قوله تعالى:
[{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ ـ أي: فعلك مهلك نفسك هما وغما ـ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} (سورة الكهف: الآية 6)]
ومنها قوله سبحانه:
[{فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } (سورة فاطر: الآية 8)]

ومرة خامسة نرى هذه التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم تأتيه عن طريق بيان أن الله تعالى قد عصمه من مكر أعدائه، ومن مد أيديهم إليه بالقتل.
ومن ذلك قوله تعالى:
[{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ .. }]
أي: يحميك من أن تمتد أيديهم إليك بالقتل.
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي ساقت ما ساقت من تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم، ومن تثبيت لقلبه، ومن تبشير له بأن النصر سيكون له ولأتباعه.
ب. التدرج في تربية الأمة الإسلامية على ما يهديها إلى الصلاح والبر والفلاح .. وهذا التدرج لم يكن فيما يتعلق بالعقائد والعبادات ومكارم الأخلاق، لأن هذه الأمور لا تقبل التدرج، وقد حسم القرآن الحكم بشأنها منذ نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:
[{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ "1" لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ "2" وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ "3" وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ "4" وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ "5" لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ "6"}]
وإنما كان هذا التدرج في الأمور التي تتعلق ببعض العادات والمعاملات، تسيرا على الأمة.
ومن أمثلة التدرج في العادات: تعاطي الخمر، فقد جاءت شريعة الإسلام والناس يشربون الخمر بكثرة، وانتشر ذلك بين غنيهم وفقيرهم، فكان من رحمة الله بعباده أن تدرج معهم في تنفيرهم من تعاطي الخمر.
وقد ذكر المحققون من العلماء أن أول ما نزل في التنفير من تعاطي الخمر، قوله تعالى:
[{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } (سورة البقرة: الآية 219)]
أخرجه الإمام أبو داود في سننه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا"، فنزلت هذه الآية.
فدعى عمر رضي الله عنه فقرئت عليه فقال: "اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا". فنزلت الآية التي في سورة النساء، وهي قوله تعالى:
[{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى .. } (سورة النساء: الآية 43)]
فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة، نادى: لا يقربن الصلاة سكران.
فدعي عمر فقرئت عليه فقال: : "اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا.."، فنزلت آيات سورة المائدة، وهي قوله تعالى:
[{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "90" إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ "91"}]
فقال عمر: "انتهينا يا ربنا".
ومن أمثلة التدرج في المعاملات: النهي عن التعامل بالربا، ثم تحريمه تحريما قاطعا، فقد كان أول ما نزل من التنفير في شأن التعامل بالربا، قوله تعالى في سورة الروم:
[{وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } (سورة الروم: الآية 39)]
أي: وما تعاملتم به أيها الأغنياء من مال على سبيل الربا، فإنه لا يربو ولا يزيد عند الله تعالى، أما الذي يربو ويزيد عنده تعالى فهو ما تبذلونه من أموالكم على سبيل الصدقة والإحسان.
فهذه الآية الكريمة، وإن كانت لم تحدد عقوبة معينة لم يتعامل بالربا، فإنها قد أشارت إلى أن التعامل بها لا ثواب له عند الله تعالى، وإنما الثواب المضاعف عنده سبحانه لمن يقدمون جانبا من أموالهم لغيرهم على سبيل الصدقة الخالصة لوجه الله تعالى.
ثم نزلت آية أخرى كانت أشد في التنفير بالنسبة للتعامل بالربا، وهي قوله تعالى:
[{فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا "160" وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ .. } (سورة النساء: 160، 161)]
فقد بين سبحانه هنا، أن على رأس الأسباب التي أدت إلى غضب الله على اليهود: تعاملهم بالربا مع أنه تعالى قد نهاهم عن ذلك.
ثم جاءت سورة آل عمران، فنفرت من الربا تنفيرا يفوق ما جاء في السورتين السابقتين، إذ نادى الله المؤمنين بقوله:
[{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (الآية 130 سورة آل عمران)]
أي: يا من آمنتم بالله تعالى إيمانا حقا، لا يجوز لكم أن تتعاملوا بالربا، بتلك الصورة البشعة التي هي واقعة بينكم، والتي فيها يأخذ المرابي من المدين أضعاف رأس ماله.
والتقييد بقوله سبحانه: "أضعافا مضاعفة": ليس المقصود منه النهي عن أكل الربا في حال المضاعفة خاصة، وإباحته في غيرها، فالربا قليلة وكثيرة حرام، وإنما المقصود منه توبيخهم على ما كان متفشيا فيهم، وهو التعامل بالربا بتلك الصورة البشعة التي تدل على الأنانية وقسوة القلب.
أي: أن التقييد بالأضعاف المضاعفة ليس للتخصيص والاحتراز عما عداه، وإنما هو لمراعاة الواقع والغالب فيهم، وتقبيحه والتنفير منه.
ثم نزلت بعد ذلك ست آيات في أواخر سورة البقرة وكانت هذه الآيات من أواخر ما نزل من القرآن، فحسمت مسألة التعامل بالربا حسما قاطعا، إذ حرمته تحريما تاما إلى يوم القيامة، وشبهت الذين يتعاطونه بتشبيهات تفزع منها النفوس، وأعلنت الحرب من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم على كل من يتعاملون بالربا وهذه الآيات تبدأ بقوله تعالى:
[{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "275" يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ "276" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ "277" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ "278" فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ "279" وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } (سورة البقرة: الأيات275: 280)]
وهناك أمثلة أخرى للتدرج في تربية الأمة يطول الحديث عنها.
جـ ـ كذلك من الحكم التي من أجلها نزل القرآن مفرقا: الإجابة على أسئلة السائلين .. ولقد حكى القرآن الكريم كثيرا من الأسئلة التي وجهها السائلون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزل القرآن بالإجابة عليها.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:
[{وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا .. } (سورة الكهف: الآية 83 وما بعدها)]
وقوله سبحانه:
[{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } (سورة الإسراء: الآية 85)]

وقوله تعالى:
[{يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ .. } (سورة الأحزاب: الآية 63)]
إلى غير ذلك من الآيات التي أجابت على أسئلة السائلين، التي وردت في أزمنة وأمكنة مختلفة.
د ـ دفع التهم الباطلة عن أهل الحق، وتبرئة ساحتهم مما افتراه المفترون في شأنهم. ولاشك أن هذه التهم قد جاءت في أوقات مختلفة، فنزل القرآن لبيان وجه الحق فيها.
ومن الأمثلة على ذلك: حديث الإفك الذي افتراه المنافقون على السيدة عائشة رضي الله عنها فنزلت بضع عشرة آية من سورة النور، ترد على هؤلاء المنافقين، وتأمر المؤمنين بالتثبت في الأخبار، وتتوعد الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا بسوء المصير في الدنيا والآخرة ..
وهذه الآيات تبدأ بقوله تعالى:
[{إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (سورة النور: الآية 11)]
هـ ـ بيان الحكم الحق العادل في قضايا ملتبسة، لا يعرف وجه الحق فيها إلا الله تعالى، لأن معالمها غير واضحة، والبينة فيها خافية.
ومن أمثلة ذلك ما حدث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من أن رجلا اسمه "طعمة بن أبيرق" سرق شيئا معينا من جار له، اسمه "قتادة بن النعمان" ثم وضعه عند رجل يهودي اسمه "زيد بن السمين"، وبعد أن بحث قتادة عن الشيء الذي سرق منه وجده عند ذلك الرجل اليهودي، فاشتكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب سرقته لهذا المتاع، قال اليهودي: أنا ما سرقت شيئا ولكن طعمة هو الذي وضعه عندي، فلما أحضر طعمة أنكر ذلك، وجاء أقاربه معه يدافعون عنه، ويلصقون السرقة باليهودي!..
وإزاء هذه القضية التي التبست معالمها، ووجد الشيء المسروق عند اليهودي الذي لا شهود عنده على براءته، كاد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم على اليهودي ..
ولكن القرآن الكريم أنزل الله تعالى فيه تسع آيات من سورة النساء، تحق الحق وتبطل الباطل، وهي قوله تعالى:
[{إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا "105" وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا "106" وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا "107" يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا "108" هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً "109" } (الآيات من 105 ـ 109)]
و ـ إنشاء أحكام شرعية جديدة لم تكن موجودة من قبل، لأن المصلحة تقتضيها رحمة من الله تعالى بعباده.
ومن أمثلة ذلك مشروعة الظهار الذي لم يكن موجودا قبل نزول قوله تعالى:
[{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ "1" الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ "2" .. } (سورة المجادلة: الآيات من 1 ـ 2)]
وقد ذكر المفسرون في سبب نزولها أن السيدة خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها حدث بينها وبين زوجها نزاع فقال لها: أنت علي كظهر أمي، ثم أراد أن يعاشرها بعد ذلك معاشرة الأزواج، فامتنعت عنه، ثم ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم ينزل في شأنك شيء وما أراك إلا طالقا ..
ولكن المرأة أخذت تجادل النبي صلى الله عليه وسلم وتقول له: يا رسول الله، أنه لم يتلفظ بالطلاق ..
<فأعاد النبي صلى الله عليه وسلم عليها قوله: "لم ينزل في شأنك شيء وما أراك إلا طالقا">
فلم تيأس المرأة النقية الطاهرة من رحمة الله تعالى، بل رفعت يديها إلى السماء وهي في مجلسها بجانب النبي صلى الله عليه وسلم وأخذت تدعو الله تعالى بقولها: "اللهم أنك تعلم أن زوجي شيخ كبير، وأنا امرأة عجوز، ولا غنى له عني، ولا غنى لي عنه، وإن لي منه أولادا، أن تركتهم عنده ضاعوا، وأن أخذتهم معي جاعوا، اللهم فرج كربتي، واحلل عقدتي .."
وقبل أن تقوم من مجلسها بجانب رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزلت هذه الآيات على الرسول صلى الله عليه وسلم لتحل قضية هذه المرأة وأمثالها، عن طريق بيان كفارة الظهار، وهو أن يقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي قاصدا بذلك تحريم زوجته على نفسه، كتحريم أمه عليه.
ز ـ لفت المؤمنين إلى أخطائهم حتى لا يعودوا إليها مرة أخرى، كما حدث بعضهم في غزوة "أحد" فقد خالف الرماة ما وصاهم به الرسول صلى الله عليه وسلم حيث وصاهم بأن يبقوا في أماكنهم ولا يبارحوها لكي يحموا ظهور المسلمين، ولكنهم بعد أن بدأت المعركة، ورأوا أن المشركين قد هزموا، تركوا أماكنهم، فانتهز بعض المشركين هذه الفرصة، وأتوا إلى المسلمين من الخلف، فكان ما كان من اختلال صفوف المسلمين.
ونزلت عشرات الآيات من سورة آل عمران، تحكي أحداث غزوة أحد، وتذكر بعض المسلمين بأخطائهم، وتحذرهم من الوقوع فيها مرة أخرى .. ومن ذلك قوله تعالى:
[{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "165" وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ } (سورة آل عمران الآيتان: 165 ـ 166)]
ومن أمثلة لفت المسلمين إلى أخطائهم أيضا حتى لا يعودوا إلى مثلها ما حدث من حاطب بن أبي بلتعة، فقد أرسل كتابا إلى أهل مكة، يخبرهم فيه بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يعد العدة لغزوهم، وكان ذلك قبيل فتح مكة، ونزل الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم ليخبره بذلك، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه فاحضروا الكتاب من المرأة التي كانت في طريقها إلى مكة والتي أرسلها حاطب لتلك المهمة.
ونزل قوله تعالى:
[{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ } (سورة الممتحنة: الآية 1)]
هذه بعض الحكم التي من أجلها نزل القرآن مفرقا في مدة تصل إلى ثلاث وعشرين سنة. وكان نزوله بتلك الطريقة الحكيمة، دليلا قاطعا على أن هذا القرآن من عند الله تعالى، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.
عدد المشاهدات: 12017
تاريخ المقال: ‏03 ‏نوفمبر, ‏2004
حمل تطبيق نور الله
سجل في النشرة الاخبارية في نور الله