كتب ومراجع ورسائلكتبكتاب ليلة القدرفي ضوء القرآن الكريم › 6- معرفة أسباب النزول .. لماذا؟

6- معرفة أسباب النزول .. لماذا؟

أن المتدبر في القرآن الكريم، يرى أن معظمه قد نزل ابتداء غير مرتبط بسبب من الأسباب، وإنما نزل ليكون هداية للناس إلى ما يسعدهم ويهديهم إلى الصراط المستقيم.
كما يرى أن قسما منه قد نزل لسبب من الأسباب الخاصة، كالإجابة على أسئلة السائلين، وكإرشاد نم أخطأ إلى الحكم السليم. ومن أشهر الكتب التي ألفت في هذا الموضوع، كتاب "لباب النقول في أسباب النزول" للإمام السيوطي.
ومعنى سبب النزول، بيان ما نزل الآية أو الآيات متحدثة عنه، أو مبينة لحكمه.
ومن الأمثلة لذلك: ما حدث بين الأوس والخزرج من خلاف بسبب دسيسة أشاعها بينهم شاس بن قيس اليهودي .. فأنزل الله تعالى آيات من سورة آل عمران، نهت المؤمنين عن طاعة أعدائهم، وأمرتهم بالإخاء والاتحاد ومراقبة الله تعالى:
نزل قوله تعالى:
[{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ "100" وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ "101" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ "102" وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ "103"} (الآيات: 100 : 103 سورة آل عمران)]

ولمعرفة أسباب النزول فوائد من أهمها:
أ. الاستعانة على فهم الآية أو الآيات، ودفع الإشكال عنها، ومعرفة مقاصدها معرفة سليمة، وتفسيرها صحيحا.
قال الإمام ابن تيميه رحمه الله: "معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم المسبب".
ومن أمثلة ذلك ما جاء في الحديث الصحيح من أن عروة بن الزبير رضي الله عنهما أشكل عليه وجوب السعي بين الصفا والمروة، في قوله تعالى:
[{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ..} (سورة البقرة: الآية 158)]
وسبب هذا الإشكال أن الآية نفت الجناح، ونفي الجناح ـ أي: الإثم والحرج ـ في رأيه لا يتفق مع وجوب السعي بين الصفا والمروة في حالة الحج أو العمرة.
فأفهمته السيدة عائشة رضي الله عنها أن نفي الجناح، ليس نفيا لوجوب السعي بينهما، وإنما هي نفي للحرج الذي وقر في أذهان بعض المسلمين، من أن السعي بينهما من أعمال الجاهلية، لأنهم كانوا في الجاهلية يسعون بينهما، ويتمسحون بصنمين كانا موجودين عندهما.
جاء في صحيح البخاري أن عروة بن الزبير، قال للسيدة عائشة رضي الله عنها أرأيت قول الله تعالى:
[{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ..} (سورة البقرة: الآية 158)]
فوالله ما على أحد جناح ألا يطوف بالصفا والمروة!!
فقالت له عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي، أن هذه الآية لو كانت كما أولتها لكانت فلا جناح عليه ألا يطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يدخلوا في الإسلام يهلون أي: يحجون ـ لمناة الطاغية ـ أي: لصنم كبير ـ الذي كانوا يعبدونه عند المشلل ـ اسم مكان ـ ، فكانوا بعد الإسلام يتحرجون من السعي بين الصفا والمروة، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقالوا: إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة ـ لأنه يذكرهم بما كانوا يفعلونه في الجاهلية ـ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ثم قالت عائشة لعروة: "وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما".
والخلاصة: أن معرفة سبب النزول، جعل السيدة عائشة تفهم الآية فهما سليما، وتزيل الإشكال الذي وقر في ذهن ابن أختها عروة بن الزبير!! .. بأن بينت له أن نفي الجناح، المقصود به نفي الحرج عند بعض المسلمين الذين كان يذكرهم السعي بينهما بما كانوا يفعلونه في الجاهلية، وليس نفي وجوب السعي بينهما.
كذلك من فوائد معرفة سبب النزول: بيان ما هو حق وما هو باطل فيما وقع من أحداث.
ومن أمثلة ذلك: قصة طعمة بن أبيرق، الذي سرق درعا، وأودعها عند رجل يهودي، فلما وجد صاحب الدرع درعه، وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقص عليه ما حدث، أنكر طعمة السرقة، وادعى أن اليهودي هو الذي سرقها، وجاء أقارب طعمة ليدافعوا عنه .. فأنزل الله تسع آيات من سورة النساء، بينت ما هو حق وما هو باطل في هذه القضية الملتبسة.
نزلت هذه الآيات التي بدأ بقوله تعالى:
[{إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا "105" وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا "106" وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا "107" يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا "108" هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً "109" }]
وبذلك كان معرفة سبب نزول هذه الآيات الكريمة، كاشفا عن السارق الحقيقي، ومبرئا لمن اتهم ظلما بالسرقة.
وهكذا نرى أن لمعرفة سبب النزول للآية أو الآيات فوائد عدة، إذ عن طريق هذا الفهم: يتيسر الحفظ، ويسهل الفهم، ويزول الإشكال، ويثبت الحق، ويزهق الباطل، وتعرف الحكمة فيما شرعه الله تعالى من أحكام، وبذلك يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم.
ولا طريق لمعرفة أسباب النزول، ألا النقل الصحيح عن الصحابة، فهم الذين عاصروا نزول القرآن، وهم الذين نقلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية أو الآيات نزلت في حادثة كذا، أو للإجابة على سؤال موضوعه كذا.
عدد المشاهدات: 13622
تاريخ المقال: ‏03 ‏نوفمبر, ‏2004
حمل تطبيق نورالله الآن..
حمل تطبيق نور اللهحمل تطبيق موقع نورالله على اندرويد
سجل في النشرة الاخبارية في نور الله
أخبار المسلمين الأكثر قراءة
خلال 30 أيام
30 يوم
7 أيام