آخر الأخباراخبار المسلمين › حقوق المواطنة للمسيحيين فى العصر النبوى

صورة الخبر: مدينة نجران اليمنيه
مدينة نجران اليمنيه

شكلت هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة مرحلة فارقة فى تاريخ الإسلام، حيث انتقل من مرحلة التبشير بقيمه ومثله فى مكة إلى مرحلة التطبيق العملى لها بالمدينة، من خلال منظومة تشريعية تكاملت تدريجيا لبلورة أسس العلاقات الاجتماعية والسياسية والدينية للأمة الوليدة.

وكان تشريع الهجرة باكورة هذه المنظومة الذى أوجب على جميع المسلمين فى أرجاء الجزيرة العربية الهجرة إلى المدينة للاندماج فى وحدته الاجتماعية والسياسية الجديدة، والتمتع بحقوق المواطنة التى تكفل للجميع حماية أرواحهم وممتلكاتهم، والحصول على نصيبهم من الغنائم والفيوء، وعد الخروج عن حياض هذا المجتمع والتعرب (النزوح عن المدينة) بعد الهجرة من الكبائر.

وأعقب ذلك تشريع المؤاخاة الذى استهدف، صياغة كيان اجتماعى يتجاوز الأطر القبلية والعشائرية المرتكزة على علاقات الرحم والقرابة، ودمج أفراده فى وحدة اجتماعية وسياسية تستند على الأخوة الإسلامية. وأضافت وثيقة الصحيفة آفاقا رحيبة لحقوق المواطنة باستيعابها اليهود ومشركى قبيلة الأوس الذين شاركوا المسلمين الحياة فى المدينة، وشكلت منهم «أمة دون الناس» يتمتعون خلالها بحقوق وواجبات متساوية.

وألحقت وثيقة المواطنة التى منحها الرسول (ص) لأهل نجران اليمن فى السنة العاشرة من الهجرة، عنصرا بشريا واجتماعيا جديدا يعتنق الدين المسيحى بالأمة الإسلامية، ويتمتع بحقوق اجتماعية ودينية ملزمة للامة على أرضية سياسية خالصة.

وتكتسب هذه الوثيقة أبعادا مهمة لتعاظم مكانة مدينة نجران أواخر العصر الجاهلى وأوائل صدر الاسلام، إذ شكلت نموذجا سياسيا متفردا لدولة المدينة يعد الأفضل والأرقى فى مدارج التطور الحضارى من بقية مدن شمالى الجزيرة العربية، إلى حد أن عدها الرسول (ص) إحدى كبريات مدن الجزيرة.

وقد تنامت تلك المكانة بعد تأسيس أهلها كنيسة مسيحية ضخمة على هيئة كعبة لتضاهى وتنافس كعبة مكة الوثنية، وأوقفوا عليها أراضى شاسعة المساحة تدر عشرة آلاف دينار سنويا، تنفق على نشاطاتها الدينية.

وقد قامت مدينة نجران شأن باقى نواحى بلاد اليمن، بإرسال وفد من قبلها سنة عشر هجرية لتقديم فروض الولاء السياسى للسلطة المركزية الإسلامية بالمدينة المنورة التى امتد سلطانها إلى معظم أرجاء الجزيرة العربية.
ضم الوفد ما يقرب من ستين رجلا، منهم أربعة عشر من وجهاء المدينة الذين ينتمون إلى طبقة النبلاء الحاكمة التى أسست نظاما ملكيا جماعى الطابع، يتولى أمره حاكما يقاسمه السلطة أشقاؤه أو أبناؤه، كما يشاركه إدارة شئون المدينة مجلس بلدى مكون من مائة وخمسين عضوا من النبلاء، لذلك يلاحظ أن الوفد قد ترأسه ثلاثة من الوجهاء: لقب أولهم بالعاقب، وهو «أمير القوم وذو رأيهم»، وثانيهم: السيد وهو «صاحب رحلهم ومجتمعهم»، والأخير أسقف الكنيسة: حبرها الأعظم.

كما أسهمت الكنيسة المسيحية فى الوفد بثمانية من رجالها فى الصدارة منهم الأسقف، وهو «حبرهم وإمامهم»، وهذا الأمر يعكس بجلاء دور الكنيسة الحيوى فى المجتمع النجرانى.

وكان من الطبيعى أن يعرض الرسول (ص) على الوفد النجرانى اعتناق الإسلام، لكن هذا الأمر قوبل بالرفض من قبل أعضاء الوفد، واحتدم جدل عقائدى بين الطرفين ترددت أصداؤه القوية فى سورة آل عمران، استغرق ما يربو على ثمانين آية منها، كما ذكر ابن هشام فى سيرته النبوية.

وانتهى الجدل باتفاق الجانبين على احتفاظ أهل نجران بدينهم، والإقرار بالسيادة السياسية الإسلامية عليهم، وصيغ ذلك على هيئة عهد (وثيقة) تحددت خلاله الروابط السياسية بين أهل نجران وسلطة الإسلام المركزية.

أقر هذا العهد وجود طرفين الأول: السلطة السياسية الإسلامية ويمثلها الرسول (صلى الله عليه وسلم)، والثانى: أهل نجران ويمثلهم الوفد المشار إليه، اتفقا على مجموعة من الحقوق والواجبات المتبادلة التى سجلت بين ثنايا هذا العهد، ووقع عليها شهود من المسلمين لتتحول إلى صيغة إلزامية دائمة.

وقد بادر الرسول (صلى الله عليه وسلم) فى بداية الوثيقة بتنازل المسلمين عن حقهم فى الاستيلاء عن كل مصادر ثروة مدينة نجران وفقا لحق الفتح السائد فى ذلك العصر الذى يخول للمنتصر الحق فى الاستيلاء على ممتلكات الطرف المهزوم، ذلك الحق الذى لم يتوان عن استغلاله ذو نواس اليمنى ضد بنى جلدته من أهل نجران، فجرد حملة عسكرية عليها سنة 518هـ واستولى على ممتلكات أهلها، واسترق فلاحيها، وغلمانها وجواريها، وأهداهم إلى وجهاء مملكته.

ونظير هذا التنازل فرضت الوثيقة خراجا ـ جزية على أهل نجران عبارة عن ألفين من الحلل الحريرية التى اشتهروا بنسجها قيمة الواحدة منها أوقية من الفضة تقدر بأربعين درهما، (الدرهم يبلغ وزنه سبعة أعشار الدينار)، وللتخفيف عليهم كانت الجزية تدفع سنويا على قسطين أحدهما فى رجب والثانى فى صفر للسلطة المركزية الإسلامية.

كما كان عليهم استضافة رسل المسلمين التى تفد عليهم مدة محددة سنويا لا تزيد على شهر، وإعانة المسلمين بثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا، وثلاثين درعا على سبيل الإعارة، ويتحتم على المسلمين ردها إلى أهلها دون نقصان. وإذا احتاج المسلمون سلاحا أو خيلا إضافية يتوجب عليهم شراؤها من أصحابها بأسعارها السائدة.

وأوجبت الوثيقة على السلطة السياسية الإسلامية توفير الرعاية والحماية الشاملة لأرواح وأموال أهل نجران، والحفاظ على حرية عقائدهم، ودور عباداتهم، دون التدخل فى تنظيماتهم الدينية، أو فرض التجنيد الإجبارى عليهم، وصيانة حرمة أرضهم فلا يطأها جيش السلطة المركزية دون إذنهم، كما أسقطت الوثيقة عنهم عشور التجارة التى تفرض على التجار الأجانب باعتبارهم متمتعين بحقوق المواطنة الإسلامية.

كما سعت الوثيقة إلى دمج أهل نجران فى إطار القيم الإسلامية الجديدة، وفصم أواصر الصلة عن طوابع العصر الجاهلى بالتنازل نهائيا عن قضايا الثأر الجاهلية، والتخلى عن ممارسات التعامل الربوى التى اشتهروا بها فى سائر أنشطتهم الاقتصادية، وأفضت إلى سحق كثير من الفقراء تحت وطاتها.

وحين تولى أبوبكر الصديق الخلافة بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وفد عليه ممثلو أهل نجران ليتعرفوا على موقفه تجاه حقوقهم، فجدد لهم وثيقتهم وأكد خلالها التزامه الصارم كعادته بكل ما قرره الرسول (صلى الله عليه وسلم) لهم فقد «أجارهم بجوار الله وذمة محمد النبى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنفسهم وأرضهم وأموالهم، وحاشيتهم وغائبهم وشاهدهم، وعبادتهم وملتهم وأساقفهم، ورهبانهم وبيعهم وما تحت أيديهم من قليل أو كثير. لا يحشرون ولا يعشرون، ولا يغير أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته وفاء لهم بكل ما كتب لهم محمد النبى صلى الله عليه وسلم».

قد يعجبك أيضا...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على حقوق المواطنة للمسيحيين فى العصر النبوى

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
58544

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

سجل في النشرة الاخبارية في نور الله
أخبار المسلمين الأكثر قراءة
خلال 30 أيام
30 يوم
7 أيام